الخميس، 12 يوليو، 2012

الطريق إلى سوريا


 
يتحرك على الطريق ، تلفحه شمس ظهيرة لصيف لا يرحم ، يتحسس المنديل المبلل على رأسه ليجده قد جف وأوشك أن يحترق من فرط الحرارة المصوبة عليه ، يحاول تغيير اتجاهه ليجلس قليلا كى يستريح تحت ظل زيتونة تقف وحيدة شبه محترقة وسط الكثير من الشجيرات المتفحمة ، تعانده قداماه وتأبيان إلا مواصلة المسير ، فيواصل وهو يسلى وقته بما يتصوره من أحداث قادمة ، سيقاتل ، لقد عبر الأنفاق بين مصر وفلسطين ، لم يكن معه إلا ما يدفعه لقاء ذلك وقيل لزاد الطريق ، وعناوين لأصدقاء سيساعدونه على العبور إلى الجولان لينتصر لإخوته فى سوريا ، ويقف معهم ضد جبار ظالم ، لا يراعى تعاليم دين ولا حتى انسانية ، سيقف إلى جانبهم وسيحارب معهم كما اعتاد فإما نصر أو شهادة .

كادت دمعة ساخنة أن تفر من عينيه عندما مر بخاطره وقوفه هناك فى الميدان بجانب إخوته ، كانوا صادقين فى إزالة العدوان ، فأعانهم الله تعالى وزال ، وكانت النتيجة تستحق التضحية الزكية التى غمرت ملابسه ويديه وهو يحمل أقرب الناس إلى قلبه كى يرحل بهم عن الميدان للمرة الأخيرة ، لقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقضوا بينما انتظر هو ، ولكنه عاهد الله أنه لن يبدل تبديلا .

ورحل الطاغية واستردت الدولة أملها فى غد مشرق ، وبدأت ليبيا فى الفوران هى أيضا ، فشد الرحال إلى هناك وحارب إلى جوارهم ، وسقط من سقط حتى كتب الله لهم النصر ، واليوم هو يشد الرحال إلى سوريا ، ولقلة موارده ، قرر أن يمضى الطريق سيرا على الأقدام ، حمل ما قل من ملابسه القليلة أصلا ، وحمل كل ما أدخر وإن علم انه لن يكفى ، ولكن الله عليم بحاله وفى الطريق سيكون له عونا .

تنبه إلى سيارة تأتى من خلفه ، فأشار لها متحمسا لعل قائدها يوفر عليه مشقة جزء من طريق طويل قد بدأه ، وسيصل بإذن الله لنهايته ، مرت السيارة ولم يكلف قائدها نفسه حتى بعناء الإشارة إليه ، هز كتفيه ومضى شأن من مر بالموقف مرات عديدة ، كانت الطريق على الجانبين تمتلىء بالخراب وبالأطفال اللاهين فى اللعب رغم قيظ الحرارة ، لم يتعجب لأنه تعلم من انسان قابله من قبل ، أنهم يلعبون قدر المستطاع لأنهم لا يدرون متى يهاجمهم الإسرائيليون ،  ليقطعوا عليهم مرحهم ويبدأوا بذبحهم .

توقف عند عشة بسيطة ( أو ربما أقل ) ليطلب منهم مياها فقد نفذ ما معه ، فخرج له طفل صغير لبى طلبه فورا وهو يبتسم فى وجهه ببشاشة وكأنه يعرفه منذ مئات السنين ، أخذها منه وشكره وانطلق ثانية ، كان مصرا ألا يقف حتى يرجع للجدول الزمنى الذى قرره والذى أخره عنه مرضه الذى باغته بعدما عبر الأنفاق نتيجة مياه المدينة الملوثة والتى لم يحتملها جسده ، وكان ذهوله عندما علم أن كل من بالمدينة على اختلافهم هى مشروبهم الوحيد .

وصل إلى نقطة على الخارطة مع غروب الشمس ، كانت تمثل بالنسبة له فرحة عارمة فقد كاد أن يعوض ما ضاع من قبل ولم يتبق سوى مسافة بسيطة سيقطعها قبل أن يؤذن للعشاء  ، مر على الطرقات قاصدا مكان نهاية رحلته كما وصفت له شفاهة وعلى الخريطة البسيطة التى معه .

جلس إلى جدار المدرسة مستندا بظهره إليه ، متجها بعينيه إلى النجوم فى السماء ، حامدا الله على أن أعانه ، وتنهد بحرارة كبيرة ، ولم يلبث لحظات حتى راح فى نوم عميق من نتيجة تعبه ، وحين استيقظ بعد ساعات معدودة لم يشر سوى بمرور لحظات ، وإن كان جسده قد استرد نشاطا افتقده منذ غادر النصيرات ، اعتدل فى جلسته وبدأ فى تحريك جسده كى يفيق كاملا ، ولكنه انتفض عندما وجد ظلا لرجل يجلس بالقرب منه وينظر إليه مباشرة .

انتفض واقفا وهو يقول بصوت قوى اعتاد عليه منذ أيام حراسته للميدان وبعدها فى ليبيا ، من أنت ؟ وماذا تريد ؟
رد الرجل ببطء وهو يزن كلماته : لا تخف يا ولدى ، عابر سبيل استريح من عناء سفر ، ولكن السؤال من أنت فليس كلامك بكلام بلادنا ، أأنت مصرى ؟
فرد بحذر ( على الرغم من أنه اطمأن للرجل حتى وهو لا يرى وجهه فى ظلمة الليل ) : نعم من مصر .
فسأله الرجل وهو متحير : ولكن ما الذى جاء بك إلى تلك البقعة ؟

فصمت قليلا وهو ينظر بحذ ر إلى الرجل وصوت المهيب الذى لا يعرف لم احتواه بداخله ، وامتص توتره ، بل وجعله يشعر بالحنين فيه ، فعاجله الرجل وقد بدا انه يدرك محاذيره : لا تخف يا ولدى ، انا مطارد ولا أريد أن أرى الأمن بأكثر منك بكثير ، فتكلم ولا تخف .

 أحس بارتياح غير منطقى ورد عليه : عابر سبيل أيضا .
فقال والحيرة تبدوا في صوته جلية : إلى أين يا بنى ؟
جاءت بنى لتمسح الكثير من عناء الرحلة ، ولتعيده للحظة لحارته البسيطة ، والرجل العجوز الذى كان يجلس ليبيع الحلوى على الرصيف والذى اعتاد أن يتناول من عنده ، حتى بعد أن انهى دراسته الجامعية وافتتح عيادته .
فرد والهدوء يملأ قلبه ، وتوتر جسده يتلاشى : إلى سوريا .

إلى سوريا !!!!!! كاد ذهول الرجل ان يبلغ منتهاه وهو يقولها وكأنها آخر ما توقع سماعه على الإطلاق ، وبادره سائلا : ولماذا سوريا ؟
فحكى له قصته كاملة ، منذ ترك عيادته مسرعا كى يلحق ليعين من أصيبوا من أصدقاءه فى مواجهاتهم مع الشرطة يوم 26 يناير وحتى قابله ، كم أحس بالإرتياح وهو يحكى ويتذكر كل تلك اللحظات التى مرت عليه ، عمر كامل فى تلك الشهورالمنصرمة وياله من عام لن ينسى من تاريخ أى من عايشوه لى الإطلاق .

ابتسم الرجل ، واتسعت ابتسامته ، وكادت أن تتحول لضحكة وهو لا يفهم ماذا هناك وما الذى يجلب البسمة والضحك فى كلامه ، وهم بسؤاله ، ولكن الرجل أشار إليه بيده التى ينقصها اصبع أن يتوقف ، وصمت قليلا ثم بدأ يحكى .

يا ولدى ما تعرف عن تاريخك ؟ وقبل أن يهم بالإجابة أكمل الرجل : أى بنى لو كنت تعلم تارخك حقا لما كنت مثل ذلك الذى ترك الصنبور مفتوحا وذهب إلى العمل وعاد فوجد المياه تغرق كامل البيت ، فقام مسرعا يزيل المياه من غرفة تلو الأخرى حتى أنهكه التعب والماء لا ينتهى ، أو تدرى خطأه ؟ أنه نسى فى غمرة كل ذلك أن يغلق الصنبور .
يا ولدى لا تترك الحية وتجرى وراء صغارها ، فوالله ما قتلت واحدا حتى تكون قد ولدت لك مائة غيره ، يا ولدى اضرب حيث يخافون وانتصر هناك ينهزمون فى كل البلدان ، يا ولدى حاربت فى ليبيا وتترك الديار إلى سوريا وغدا اليمن وبعدها فلسطين وبعدها العراق وبعدها ما لا يدرى إلا الله ، لا ولدى لا يخدعونك .
ثم أشار بيدا فى اتجاه بعيد ، يا ولدى نحن نحارب هنا ونموت كى نشتت العدو وتظل قضيتنا حية حتى تنتصروا هناك ، فانتصاركم انتصارنا ، ونهضتكم خذلان عدونا ، ووالله ما نقوى إلا بمصر ، فارجع هناك وحارب وانتصر تنتصر لنا جميعا ، يا ولدى أدرك مصر ، فانتصارها اليوم ، رجوع حقوقنا جميعا غدا ، فوالله لا يجرؤا علينا وفينا مصر قوية ، ولا نقدر عليهم ومصر ضعيفة .

ثم قام وهو يربت على كتفه تربيتة خفيفة حانيةويقول : يا ولدى عد وانتصر لنا هناك وليكن الله معنا جميعا .

هناك 6 تعليقات:

مصطفى سيف الدين يقول...

كان من احلامي عن مصر و رؤيتي اننا لازم ننغلق على نفسنا نبني البلد الأول و نؤسس مبادىء الحرية و الديمقراطية صح
امريكا انغلقت على نفسها 100 سنة رجعت اكبر امة
بس الانغلاق ميمنعش دعم المظلومين و محاولة رفع الغبن عنهم حتى لو دعم معنوي
مش لازم تسيب بلدك و تروح تثور و تحارب معاهم , انت مش هتحارب حربهم لأنك في الأول و الآخر مش من حقك تقرر ليهم مصيرهم او تحاول تخليهم زي مانت عايز بس على الأقل تقول رأيك و تعبر عنه و تساعد المظلوم اللي انت شايف انه مظلوم

ابراهيم رزق يقول...

مش عرف و الله احدد
لكنى اضع جيفارا مثلا

عاش جيفارا

تحياتى
ملحوظة
عروستك بتسلم عليك

شمس النهار يقول...

تدوينة جميلة يااسامة

تسلم دماغك

الازهرى يقول...

مصطفى سيف الدين

لم يعد الإنغلاق ممكنا فى هذا العصر
وامريكا ساعدها موقعها وظروفها على ذلك اما بالنسبة لنا مستحيل

الحل أن نحارب من داخلنا للنتصر على من بخارجنا

الازهرى يقول...

إبراهيم رزق

جيفارا
لم يكن له وطن محورى
ولكنه كان يناضل من أجل فكرة
الفرق كبير

طبعا سلامى ليها
إنت بتتكلم إزاى

الازهرى يقول...

شموستنا

تسلمى لى يا رب من كل سوء