الخميس، 25 فبراير، 2010

حصد

حصــــــد

مالت الشمس نحو الغروب . ومن بعيد تقدمت قافلة الجمال ببطء ، تحت وطأة حملها الثقيل من الأطعمة والغلال ، وراح رجل على ظهر جمل قوي يجول ببصره في الأفق ، ثم نظر لرفيقه الشاب على جمل بجواره ، وناقشه في شيء ما ، ثم صاح في مرافقيه :
- تحركوا يا رجال. يجب أن نصل لما وراء تلك التله. سنخيم هناك الليلة .
- ودون كلمة أخري ، تقدمت القافلة نحو هذا المكان ، وحين وصلوا إليه قال الرجل .
- هيا بسرعة سيحل الليل ويجب أن تكون قد أنهينا إقامة المخيم قبل الظلام الدامس .
وكخلية نحل عمل الجميع بسرعة فائقة ، لكي ينهوا الأمر قبل حلول الظلام وحين أتي كان الجميع قد أتم عمله ، وأشعلوا ناراً كبيرة في وسط المعسكر ، ساعدت هي والبدر على إنارة المعسكر بأكمله فقال الرجل لأتباعه :
أطعموا الجمال واسقوهم... أمامنا طريق طويل غداً .
وأشرف بنفسه على بدء العمل ثم أمر بعض العمال بإعداد طعام العشاء ، ثم ذهب إلي حيث توجد خيمته أمام النار وجلس على بابها ، ومال على رفيقه الشاب وقال:
- حسناً.... ما رأيك يا بني أليس عملنا رائعاً .
اكتفي الشاب بالابتسامة في حين تابع الرجل :
- انه مرهق بالتأكيد, ولكن ما نحصل عليه من مال لقائه يزيح كل تعبنا جانباً .
ثم نظر إلي ابنه وقال :
- ماذا هناك أتريد لعب دور الفتي الغاضب هذه الليلة ،حسناً لك هذا .
ثم عبث ببعض حبات الرمل أمامه وقال :
- أعلم لماذا أنت غاضب ولكن هذه الحياة يا بني . فرص .. ولا شيء غير الفرص .. هناك من يغتنمها وهناك من لا يفعل .. وأنا قررت أن أكون من النوع الأول . ثم ما الشيء الخاطئ فيما أفعله.. إنني أنقل الطعام من السويس عبر صحراء سيناء إلي الجيش الانجليزي في فلسطين .أنت تقول أنني بلا مبدأ وأنني كنت أفعل نفس الشيء لصالح الجيش التركي . وكنت أنقل الطعام من غزة إلي الإسماعيلية ، حين كان يحتل سيناء في بداية هذه الحرب .هذه هي الحياة يا بني وأنا أريد عمل ولا شأن لي بالسياسة.. بالأمس كان الأتراك يسيطرون على كان عملي واليوم طردهم الانجليز إلي خارج مصر وأصبحوا يسيطرون على مكان عملي, فأصبحت أعمل معهم. ولو جاء الألمان فسأفعل المثل أو الروس أو حتى الجيش المصري.. إنها الحرب يا بني. حرب عالمية. العالم كله أصيب بالجنون وأصبح يحارب بعضهم البعض. أي عقل هذا الذي تريدني أن أتحلى به وسط هذا الجنون. أنت تقول أن عملنا يجب أن يقتصر علي الأتراك لأنهم علي نفس ديننا, ولكن ديننا لا يمنع التعامل مع من يخالفنا في العقيدة .
نظراً له الشاب فقال الرجل :
_ آه نسيت يا صاحب الإجابات السريعة, لقد قلت لي إن هذا في وقت السلم أما في وقت الحرب فهذه خيانة .
قالها وأراح ظهره للوراء ، على عمود يسند الخيمة وقال :
- إن أمامك الكثير لتتعلمه يا بني, وأوله اغتنام الفرص ، نعم يا بني الفرص ولا شيء سواها ، هي من يحدد من على صواب ومن على خطأ. من إغتنمها فهو على صواب ومن لم يفعل فهو على خطأ .
ثم اعتدل وقال :
- طوال عمرك يا بني وأنا أحاول زراعة حب اغتنام الفرص داخلك أنت وإخوتك ، ولكنكم خذلتموني دوماً .
ثم هز رأسه ساخطاً وقال :
- أنتم وأخلاقكم الرفيعة هذه.
ثم نظر لابنه وقال :
- أتعلم أنت السبب. أنت يقود أخوتك في هذا. إنهم صغار ويطيعونك في كل شيء وأنت مثلهم الأعلى. الأخ الذي لا يخطيْ ولا يتوقع أحد منه أن يخطيْ.ولكنك في الحقيقة السبب في فشل جهودي هذه .. ولكن لا بأس ... مجيئك معي هذه المرة سيفتح عقلك على العالم الحقيقي, وسيجعلك تري الأمور كما أراها .
ثم لمس ركبة ابنه بيده وقال :
- أوتعلم .سأبدأ من الآن في تعليمك ... وإليك الدرس الأول .
المال يا بني هو الصواب. نعم الغني دائماً علي صواب والفقير دائماً على خطأ هذا هو تعريفي للصواب والخطأ, وتعريف كل من حولنا للخطأ والصواب. والآن هل نحن أغنياء ... لا ولكننا على الطريق ما دمنا تغتنم مثل هذه الفرص ، لنقل الطعام عبر دروب الصحراء بعيداً عن كمائن الجيوش. إن المال الذي يعطيه إيانا الإنجليز لجد كثير .. ولن ننال مثله إذا تاجرنا في الفتات الذي تريدنا أن نتاجر فيه .
ثم قال بتهكم :
- تريدنا أن ننقل الحبوب من القاهرة إلي أهالي سيناء . أي مال سنكسب من وراء هذا ... لا شيء ... اسمع يا بني . لقد كان حصولي على امتياز نقل الطعام هذا فرصة عمر بالنسبة لي ، ولم أسمح لأحد أن يقف في طريقي . أوتعلم لقد كانت المنافسة حامية ، ولكنني لم أتورع عن الوشاية بالمنافسين والإيقاع بهم ، وإبلاغ السلطات ببلاغات كاذبة عن تعاونهم مع الأتراك . وهو نفس ما فعلته حين كنت أنقل الطعام للأتراك . وشيت بالمنافسين وادعيت بأنهم يتعاونون مع الانجليز . هذا ليس كذباً يا بني . انه اغتنام للفرص .
نظر له الشاب فقال له الرجل :
- أعلم ما تفكر فيه . وأنه من العار أن أقوم بإيذاء أحد ، لكي أحصل أنا على منفعة .ولكن صدقني يا بني ، أنا لم أقوم بإيذاء أي أحد . من اعترض طريقي هو من أذي نفسه وليس أنا . يجب على الجميع أن يفسحوا الطريق لي وإلا فسينالهم ما لا يرضيهم . إنها حياة يا بني على الأقوى فيها أن ينتصر ، وإلا فهذا دليل علي ضعفه . تذكر هذا جيداً يا بني أنا لم آذي أحداًَ من اعترض طريقي هو آذي نفسه ، ومادمت سأحصل على منفعة من وراء عمل ما فلا توجد قوة على ظهر الأرض يمكنها ردعي ، ولن أسمح لأي شخص كان مهما كانت درجة قرابته منى بأن يقف في وجهي . سأحصل على ما أريد مهما كلفني الأمر . لا تهمني كرامة أو صداقة ما يهمني هو المصلحة .
نظر له الشاب متأملاً لبعض الوقت .كان هذا حين سمعا دوى أول طلقة .....
الكاتب / هيثم عبد الغفار

السبت، 20 فبراير، 2010

ضياع


فى لحظة غدر


طيف يأتى
من قلب الظلمة ينبع ليضىء الكون
يأتى من ذكرى ما زالت تعبق برحيق الورد
ينطلق السرد
يحكى أياما قد ذهبت
أحيانا قد يحلم بالغد
يرسم أضواءا وقصورا
يمحو ألوان الحزن
يناضل من أجل الحب

يطعنه سيف الغدر الآتى من ليل الكره
يكافح ، يمشى ، يترنح
يسقط محتضرا بجراح اليأس
قد كان الطعن شديد البأس
طيف ملقى يرقب قمر الليل الشاحب
ونهارا تلفحه الشمس
ينبعث الألم من الأعماق
ليس من الطعنة ولكن الطاعن كان قريبا
لا ينفع معه شدة حرص
تغيم العينين
وينتشر البرد القارص
من بعد ربيع الخضرة يأتى شتاء
تعود الظلمة للأضواء
ويصير العالم
كل العالم
من بعد عمار لفناء

الاثنين، 8 فبراير، 2010

رحلة مغامر


الأزهرى فى أرض الله

من العجائب التى كنت أراها فى القطار عندما كنت صغيرا وتعودت عليها مع مرور الزمن هى السيدات الكبيرات فى السن وهن يركبن القطار من بلد إلى آخر حاملين ما يزيد على ضعف وزنهن من الأغذية فى الأغلب ذاهبين إلى بيعه فى هذا السوق أو ذاك أو عائدين محملين ببضائع اخرى لبيعها فى بلدهن غير عابئات بما يقال من من النسوة الصغيرات من عدم توافر فرص العمل أو نظريات الكدح من أجل مستقبل أفضل وكل ذلك الهراء الذى يستهلك أوراقا وأحبارا ومصارف للمؤتمرات لو تم صرفها عليهن لتغير الحال إلى حال أفضل كثيرا مما هن عليه .
تذكرت تلك الأمور عندما كنت فى القطار وحاولت التحرك فيه على الرغم من الزحام ، فقد فوجئت بسيده ربما هى فى الخمسين أو الثمانين ، فلا يمكن القول بعمرها الحقيقي بسبب ندوب الزمن على وجهها والتى تجعلك تقدرها هى ومثيلاتها يضعف العمر أو أكثر لما عانينه من تعب ومشقه والغريب الذى سمرنى لدى رؤيتها هو أنها لم تكن ممن تكلمت عنهن فلم يكن معها بضائع ، كما لم تبد كمسافره لأنها تجلس فى الركن خلف باب القطار المغلق ناهيك عن أنه قطار منتصف الليل الذى لا يوجد به عادة مثل تلك النساء ، وتوقفت عندها متأملا ( محاذرا أن تشعر بى بالطبع كى لا أسبب لها إحراجا ) ولكن المدهش أنها لم تشعر بى من الأساس ولا بأى شىء حولها بل ظلت فى شرودها الكامل ما يزيد عن ثلث الساعة ، دون أن تحرك ساكنا أو حتى تنام . وذكرنى شرودها هذا بجدة لى ( زوجة عم والدى للدقة ) كانت تقارب الثمانين عندما كنت أنا فى العاشرة ولكنها كانت تجلس بنفس الشرود الذى يجعلك تشعر انها فى عالم آخر غير الذى نعيشه ، وعندماكانت تفيق غالبا ما كانت تكون غاضبة ، لأنها لا تفيق إلا إذا تذكرت أمرا ما لا بد من عمله فى المنزل وكانت تصيح على الفتيات الصغيرات كى ينجزنه وتزجرهن لأنه لم يتم بعد ثم تبدأ فى لعن الجيل بأكمله ، وكان أحب رؤيتها تفعل ذلك ، ومع مرور الوقت وبعد عدة سنوات كنت عندها وسألتها ضاحكل لم تلعن الجيل كله ولم هذه الثورة على تلك الفتيات ، ولمحت السخرية فى أعين بنات أعمامى لأنه من الواضح أنه حديث مكرر ، ولكننى انتبهت لما ستقول بجوارحى ، فبدأت الكلام والحزن يكسو وجهها بدرجة لا يمكن وصفها قائلة : شوف يا ابن الغالى ، زمان على أيامى كان ت الناس ناس ناس وكان لا يمكن اب أو ابن يفرطوا فى بعض بس كانت الأصول أصول ، وكان الإبن عارف إنه بعد ما أهله يساعدوه فى الجواز وفى الأعم كان بيتجوز فى البيت بعد ما يحبكوا له أوضتين فى آخر البيت أو فوقه بدل بيت الحمام ، وغنه لازم ولا بد بعد سنه ، اتنين ، أرعه بكتيره يبقى كون نفسه وعرف يجيب قرشين على دهب مراته ويشترى أرض يبنيها وتبقى بيت له ولعياله من بعده ، أولو كان الولد الكبير يبقى معاه يشترى بيت لإخواته يتجوزوا فيه ويتستروا ، ويبقى البيت الكبير بعدها له مرسى لإخواته البنات ومكان يتجمع فيه الكل مفتوح لهم طول السنه ما يحش الواحد منهم عنه حد ، وجمراته عارفه كده وكتربيه على أحواله دى وعامله حسابها إنها تكافح معاه ويوم مع يوم تقف جنبه والقرش على القرش يكبر ويصير مال لحد ما يوصلوا لبيتهم ولوالبت نوره ( بكسر النون ) يمكن يبقى عندهم طين ويزرعوا والخير يزيد عندهم وأبوهم وأمهم بيربوهم على كده ولازم الكلام يتنفذ ولو الولد مشى مش مظبوط يبقى مهدد بالطرد من البيت من غير لا مأوى ولا بيت يلمه .
إنما الأيام دى يا ابنى الخير شح والأرض بارت والنفوس شالت ، وبقى كل واحد فى وادى ، والشباب عايزة تتجوز وتقعد جنب حريمهم لا أرض يوالوها ولا رزق يسعوا وراه ، الجدع يشتغل يومين يجيب فيهم اللى قسمه ربنا ويقعد عليهم لما ينتهوا ، نسيوا يعنى إيه عرق وشقى ، وضاع القرش الأبيض وصبحت الأيام كلها سودة فى وشهم ، وبقى الواد من دول يفضل عشر سنين فى بيت أبوه ولما إخواته يبقوا عازين يتجوزوا يدور يتسلف هنا وهنا ولو بالفايظ ( الربا ) وشويتين والسلايف يدبوا فى بعض والرجاله ياكلوا بعض علشان النسوان ولا بقى فى كبير ولا نيله وشويتين والبيت الكبير يتباع بتراب الفلوس لجل المشاكل تنفض وكل واحد ياخد قرشين ولا ليهم عازه ويسكن عند الغريب ويبقى حياته تحت ضرسه وحرمة بيته منهوكه ، والحال لا يسر عدو ولا حبيب ، ولو قلت الكلام ده للواد ولا البت يضحكوا ويقولوا دا كان زمان ، لا هو عارف يلم بيته ولا البت عارفه حاجه غير إنها تكون عايقه وتصرف وتتفنجر على قفا المنيل من غير حساب للزمن ، ولا هم طايلين زمان ولا خير زمان وفاكرينه كان بييجى بالساهل ، من غير لا تعب ولا شقى ولا ناس ماتت فى إيدها الفاس أو وقعوا من على النخل وهم بيقلموه لأجل كام مليم يقضوا بيه يومهم ، والفلاح كان يبات همه على أرضه ويحلم بيها ويفكر إزاى يداوى مرضها ويراعيها لأجل ما تديله خيرها ، عارف يا ابن الغالى كان سيدك ........( جدى) صاحب أحسن زرعه فى الناحيه وكان بيدي الكل منها ويطعم القريب قبل الغريب ومع ذلك يتفضل من الخير كتير ، وكان أهل البلد يسألوه مستغربين إشمعنى أرضك بتدى كل ده ، كان يضحك ويقول الشمس لو طلعت على الفلاح وهو بره أرضه عمرها ما تديها خيره ، شوف بقى ولاد إعمامك الكحلاوى ولا رجب ولا غيرهم ، ولا حتى أبهاتهم ، بقوا بيسهروا قدام المخروب لوش الفجر ( التليفزيون ) ولا القهاوى جلابة المصايب ، وعلى ما يصحوا ويفوقوا تلاقى الشمس بقيت فى نص السما ، يعنى لا يلحقوا وقت الضحى يشتغلوا فيها ولا أى نيله ، وبعد كده طالبين الأرض تديها خيرها ، إيييه ربنا يعدى الأيام السوده دى على خير .
مش عارف ليه الذكرى بتاخدنى لبعيد ، بس بصراحه كل ما افتكر اتغم ، ما علينا طولنا هنا ، نكمل وقت تانى .

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

انتحار


مغامرة رحالة
انصرفت عن مدعى الثقافة والشباب الهش الجالسين معى إلى تأمل من حولى فوجدت كالعادة الكثير والكثير من المناقشات الحامية الدائرة من حولى بين ركاب القطار فمنها ما هو عن كرة القدم والأفلام الجديد ( وهى حديث الشباب فقط بالطبع ) ومنها ما هو عن المرتبات والأسعار وغيرها من متنوع الأحاديث ولكن شد انتباهى حديث رجل من خلفى عالى الصوت إلى حد ما عن الأخرين كان يتحدث فى امور الدين فأصغيت إليه دون أن ألتفت فوجدته يطلق الإفتاء تلو الأخر ناسبا إياهم إلى مشايخ لا أدرى من أين جاء بهم ولا من شيخهم فالأحكام هشة ولا تستند إلى استنادات صحيحة بل وبعضها يعارض أحكاما صحيحة والأدهى أنه أحيانا يعطى الحكم وضده دون أن يفسر كبف هذا فقط هو يقول أن الشيخ فلان قال وبهذا لا بد وأنه صادق تمام الصدق ، وهممت بالقيام للإشتراك فى الحديث إلا أننى توقفت لأننى فوجئت به يبدأ فى الخوض فى ذمة علماء أجلاء يساوى الواحد منهم ملء الأرض من هذا الرجل وسواه وينتقد عليهم أحكاما يخطئ حتى فى نطقها نطقا صحيحا لا فى تفنيدها والرد عليها بالحجة والمنطق ، وبعد بعض من الوقت قمت وأجلست أحد الواقفين واستدرت إليه قليلا لأتابعه عن كثب وأبدأ فى محاورته وكان هذا وهو يتكلم عن أحد الأمور ويقول إنها بدعة وبالطبع كل بدعة ضلالة مستدلا بالحديث المعروف وهنا سألته قائلا : يا شيخنا أهذا الحديث مطلق أم مقيد . فنظر لى بإندهاش أننى تدخلت فى سير الحديث بعد أن كان الكل يؤمن على كلامه خاصة وهو يربى لحيته وجاوز الخمسين من العمر فوقره الجميع وظنوا الحكمة بين جنباته وأنه لا ينطق إلا حقا . وقال لى : يعنى إيه ؟ . فقلت له أسألك سيدتك أهذا الحديث مطلق أم مقيد ؟ . فقال لى : وما معنى مطلق ومقيد ؟ . فقلت له وكيف استدللت على الحكم الذى تقوله وأنت لا تعرف عن الحديث شيئا غير نصه والعلماء علمونا أن علوم الحديث سبعة شر علما يجب على من يريد أن يستدل بأحتدها مخرجا حكما ما أن يطبقها على الحديث أولا أما إذا كنت غير عالم فلتذكر عمن أخذت الحكم والدليل . فقال لى : أخذته عن الشيخ فلان . وذكر اسما غير معروف على الإطلاق ، فقلت له : ومن يكون ؟ فأجابنى أنه أحد شيوخ الفضائيات المعروفين وأخذ يذكر محاسنه وصفاته ( ولأننى غير متابع للتليفزيون فلم أعرف عنه شيئا ). فقلت : هدانا الله وإياه لما فيه الخير والصواب ، يا شيخنا الحديث الذى ذكرته مطلق يقيده حديث آخر عن النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال : " من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أو كما قال صلى الله عليه وسلم . فبادرنى قائلا : أرأيت من أحدث فى أمور الدين يرد عليه .
فقلت له : بالراحه يا مولانا بس كده فالحديث به كلمة ( ما ليس منه ) أى ما لا يتفق مع أوامر الدين ونواهيه وليس على الإطلاق وإلا فكل أمر جديد مرفوض وعلى رأسها ركوب القطار الذى نحن فيه والصلاة على السجاد والصيام مع السفر للمسافة الشرعية الذى ما عاد شاقا مثلما كان قديما ورخص الله فى الإفطار لذلك وغيرها من الأمور التى استحدثها الناس ولا تضر مع العقيدة ولا تتنافى معها بل تكملها وتسهل أمورها بشرط عدم الإستخدام السىء لها ،وبدأ فى التبرم واتهامى بأننى جاهل أرفض قول العلماء فأخبرته أننى أخذت الحكم عن عالم وليس من نفسى فبدا يتهم الجميع بالجهل والسخافة والإنسياق وراء الشهوات وتحليل ما حرم الله وحاولت محاورته بالحسنى فلم يسمع ولم يصغ إلى ولا أدرى السبب وراء عدم التحاور السليم بيننا ، وتركته وفكرت فى التمشية إلى مؤخرة القطار قليلا وبالطبع مع الزحام لم أستطع ان أتحرك سوى إلى المربع التالى وتوقفت فى مكانى ودارت عيناى فيما حولى فرأيت ما استوقفنى وجعلنى أفكر فى الكثير من الأمور .