الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2015

حكايات العائد 2



قلب ميت 


عشر سنوات مرت بين المرة الأولى التى توقف فيها والمرة الثانية ، كثير من الأمور جرت بينهما ، ربما أكثر من الماء الذى يعبر تحت جسور فينيسيا الجميلة حيت الحلم الذى جمعنا برؤيتها لم يزل فى طى القلوب .

كان التوقف الأول موتا ، كان كالسكون بعد العواصف المدمرة ، حيث اللاشئ هو ما يحكم حركة الكون فى البلاد الخربة ، يكتنفه احساس عابر أن ما حدث لم يكن ، يعيش على الإنكار ، يقتات على الذكريات الغامضة التى ربما لم يعد من يعيرها انتباها سواه .
يتراجع إلى الداخل ، يعيش فى كينونته الخاصة ، تكثر الأٌقنعة ، يتداول بين الناس ما يعرف أنهم فى حاجة إلى أن يروه عليه ، حزن وفرح ، بهجة وتوتر ، حنين وبغضاء ، كره ومحبة ، كثير مما لم يعد  له معنى أو مذاق بعد موته ، لا يشعر بأى من ذلك ، ملاذه ضحكته التى تظهر بريئة ويرغبون فى تصديقها كى لا يجهد أحدهم نفسه فى اكتشاف المزيد .

يجافى النوم مضجعه ، عشر سنوات لم يغمض له جفن قبل أن يقتل جسده التعب ، وحين ذلك لا تتعدى الدقائق القليلة ثم يقوم من جديد ليقول للناس أنه ما زال يتحرك بين الأحياء وكأنه منهم .


وكان التوقف الثانى حياة ، ربما ليست كاملة ، ربما ما زال ينقصها الضحكة البريئة والذكريات الغالية ، ربما تنتظر تلك الكلمات السحرية كى تنهض من سباتها لتواجه العالم ، ولكن هى حياة وجدت ، ويوما ما ستشق طريقها بين صخور الصمت كى تجهر بالوجود .



تسائلوا كثيرا وخاصة ذاك الأجنبى المرح من بينهم ، لم تحكى كثيرا ؟ لم تذكر فى كلامك كل التفاصيل ؟ لم كل ذاك الحديث بالساعة والتاريخ والملامح حين تحكى ؟

لم أجد ما أجيبهم عليه ، إذ كيف تصف لأناس ملئ بالحياة  ، ولديهم فى كل لجظة حدث جديد  ، أن هناك من يقتات على الذكريات ، وأنه يخشى أن ينسى شيئا ، لأن حياته مرهونة بما يتذكر من تلك الأيام الخالية .


السبت، 10 أكتوبر، 2015

حكايات العائد




أقف مسترسلا مع نفسى أمام تلك الحديقة الرائعة فى بلاد الغربة التى آمل أن يوما ما سأحمل منها حقيبتى الصغيرة وأعود من جديد ، خيط أبسط من الشعرةوأقسى من جبال النوبة الجميلة يشدنى إلي هناك ، ذكريات تمتد بعمر الكون ، مشاهد لن تنسى ، ومشاعر لن تزول .

فى تلك اللحظة قررت أن أكتب ، بعد سنين عديدة من الصمت ، لأننى أدركت أخيرا أن ما تبقى حتما أقل بكثير مما انقضى ، وأن النهاية لن يعرف أحد ميقاتها ، وأن الحكايات هى كل ما سأترك فى هذا العالم .


وبداية القصة ونهايتها هى أنت ، كنت لحظة الميلاد ، والمستقبل الذى خطت سطوره فى لوح القدر من أمد بعيد ، أنتى  من سطرت الكلمات فى شفتى عبر سنين طويلة ، وألفيتنى آلاف المرات أعرف نفسى بك ، أعيش تفاصيلك ، أتدثر بدفء كلماتك المروحة عن النفس ، المضيئة لدروبى التى أسلكها مهما كان الزمان والمكان .
يعجب من يعلم أن كل تلك الأعوام ، لم تزدنى سوى عشق لك إن كان يمكن ذلك ، تتناثر من حولى الكلمات ، يتساءل أحدهم ..... كيف  ؟
ولا أجد الإجابة ، فأبادرهم سائلا ، أيستبدل الضوء بالظلمة ؟ أيصغر الكبير سنا ؟ أأحب سواها ؟
تترادف الأسئلة فى استحالة إجابتها ، ويتعجب الجمع وينصرف  .
جنون هو فى نظرهم عشقى لك ، ونضج هو فى نظرى ، الحب لهم عذاب يتنقلون فيه بحثا عن الراحة ، وما بيننا هو الجنة التى وعدنا بها يوما ، والراحة التى يبحث عنها البشر منذ ملايين السنيين ، الدفء الذى يغمر القلب فيسع الكون ويشع لمن حوله الطمأنينة فى ليالى الشتاء الطويلة  ، الأمل الذى يستضيء به التائهون فى الأرض البعيدة ، العذب الذى يروى الظامئين فى البحار المظلمة .



فى بدء الكون كانت الكلمة ، وفى البدء بيننا كانت العينان أول رسل أتت بى من حيث لا أدرى إلى رحاب  حبك ، إلى الهدوء بداخلك ، إلى الجمال ومحرابه الوحيد ، إلى الخلود .
وتساقطط الأيام تترى ، وكل يوم يحمل لى من الدلالة أن الله قد كتب لى فرح الكون بأسره ، القرب منك واحة من الجنة ، تداركنا الكثير من الحياة معا ، واجهنا ما واجهناه ، وعرفنا أننا قدر فى تلك الدنيا لن يتغير .
ما زالت الشوارع تحمل آثار خطواتنا ، وما زال الكثير يحكون قصتنا الأثيرة فى الليالى الدافئة ، أمشى بين الربوع لأرى كل شئ بعينيك لم يزل دون تغيير ، ربما حاولوا تشويه وطمس ملامح كل الأماكن ، فمطعمنا هدم وبنى مكانه برج قبيح ، ومحل الورد القائم على بداية الميدان ، أزيل من زمن ، حتى ركننا الأثير فى نادينا أحيل إلى قاعة فخيمة ، إلا أننى لا زلت أراهم فى تلك الأماكن حين أمر بها ، اسمع ضحكاتك ترن فى أذنى ، أرى ضياء ابتسامتك فى كل التفاصيل .



يوما حين نلتقى سأحكى لك الكثير عن كل ذلك ، عن الصحبة الراحلة ، عن خطوات فى الحياة لم يؤنسنى فيها غير كلماتك الحانية ، عن الضعف بعد القوة ، عن انتظار لم يزل ، عن يقين باللقاء .


الأحد، 2 أغسطس، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 12


قديما كنت اسمع ممن حولى ذاك السؤال ولا أعيره انتباها ، كانت لى بعض الإجابات التقليدية التى لا أضيع الكثير من ذهنى فى محاولة ترتيبها والعثور على شئ من المنطق فيها ، كنت أعتبرها سخافة أحيانا ، ولا أجيب عنها فى الكثير من الأحيان .
يختلف الأمر حين تجد نفسك مجبرا على الإجابة عليه وإلا ... ، وإلا فلن يسأل لك ثانية لأن الحياة ليست مثل الأصدقاء ، هى لا تكرر ولا تلح ، قرارها نهائى .
انزعجت قليلا حين نما إلى ذاك الخبر ، ارتبكت ربما ، ولكن لم يطل الأمر كثير حين فكرت فيه لهنيهة ، وكانت الإجابة الأبسط كعادتى فى مواجهة الحياة طوال الأعوام الكثيرة المنصرمة ، (  لا شئ مميز  ) .
سأفعل ما أفعله كل يوم ، سأضحك فى وجه الناس وأتنقل بينهم سأطبخ قليلا مع أمى ، وأجلس مع إخوتى ، سأسترخى فى مكان أحبه وأتذكر ما سبق وابتسم ، لم يكن الأمر مقلقا كما توقعت فى الزمن البعيد .
ربما الأمر المميز فى حياتى هو أننى نحركت فيها بهدء وسرعة ، كان لى من التجارب ما لا يتسع الوقت لحصره ولو فكرت فسيقع منى الكثير ، تنقلت كثيرا ، سافرت إلى الكثير من الأماكن ، عرفت الكثيرين ، تعلمت من خبرات الناس فى أماكن كثير ، قرأت من الكتب  - وللكتب حيوات منفصلة - ما أذهلنى  حين جلست لحصرهم منذ عام تقريبا ، والأهم  تعملت تفاهة الحياة .
ربما كان الحلم الأخير الذى تمنيت كثيرا أن يطيل الله فى عمرى كى أراه ، هو الإنتصار النهائى للثورة ، أعلم أنها ستنتصر فى النهاية ويقينى لا تشوبه شائبة ، إنه التاريخ من يحكى تلك اللحظات ويعلمنا الكثير عن الغد القادم ليملأ قلوبنا بالثقة فى نصر الله ، ولكننا نستعجل كل شئ .
ليس الأمر بالسوء الذى تخيله  الناس كثيرا ،  فقط كن مستعدا ، ولا تضع الوقت الذى بين يديك فى التفكير فى ما كان وما سيكون ، فاللحظة التى بين يديك هى أثمن ما تملك دوما ، أما التفكير فيما ستفعله فى اللحظات الأخيرة فهو أمرسيثقل روحك وسيجعلك تضيع الكثير من الحياة .

***********
“وداعا أيها الغريب

كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة
عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرا

وداعا أيها الغريب

كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل
قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس
لحناً سمعناه لثوان من الدغل
ثم هززنا رؤوسنا وقلنا أننا توهمناه

وداعا أيها الغريب
لكن كل شيء ينتهي!”

أحمد خالد توفيق

الاثنين، 22 يونيو، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 11



المؤلم أن تعرف ما يبرئ ساحتك ويزيل الغضب عليك من المقربين إليك ، ولكنك لا تستطيع البوح 


ليس كل ما يعرف يقال 

فهناك الكثير مما لا نستطيع الخوض فيه وإلا فقدنا قيمتنا الأساسية أمام أنفسنا 


يترائ فى الأفق تلال لو يعرف العابرين لها قيمتها لركنوا إليها الدهر كله 



فى الصباح يتلون الموج بحكايات الليل المغتربة 



كم مكثت السفينة فى البحر البعيد منتظرة حلول الأمان 



أنت كعظيم من قومك ( تمشى وحيدا ، وتموت وحيدا )



فى رحلة البحث عن الحقيقة غالبا ما تكون الحقيقة أول الضحايا 



لا تصدق كاذبا ، ولا تأتمن خئون 



فى السراب تتكون الصور ، تتشكل الحياة 



سلام على المرابطين هناك ، القائمين على الحجب 



فى العام التاسع تغدوا وحيدا 

ثم تلحق بالراحلين 


هانت 

الجمعة، 22 مايو، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 10


يحلو لى مساءا النزول من الشقة والمشى على الكورنيش ، فى هذا الجو يكون منتصف الليل وخاصة فى أيام العمل فارغا إلا من القليل النادر  من البشر ، والنسيم فى أبهى ما لديه ، سماء بلا غيوم ، وأفكار تستدعى المزيد من الأفكار فى هذا الهدوء السرمدى ، تدنوا من الشعور بعظمة هذا الكون ، تتوحد فى داخلك المشاعر ، تنساب الذكريات ، ألفة الطريق الذى اعتادته قدماى منذ سرت عليه قبل عشرون عاما كاملة ، أذكر أول مرة لى كأنها اللحظة السابقة ، أقف قلبلا لأستريح ، يرهقنى الوقوف فأجلس على العتبة البارزة ، يتراؤن لى ويبدأ بيننا حديث متصل ، أضحك من القلب ، تسمو الروح فوق أوجاع الجسد المتهاوى ، استند لأقف من جديد متابعا السير فى الطريق الطويل .
أفتقد الناس ، تعودت منذ صغرى أن أمضى فيما بينهم أضحك معهم ، تمتعنى حكاياهم  ، يؤنسنى ذاك الود بينهم وإن لم يعرفوا بعضهم البعض  ، اشتقت الأوتوبيسات والقطارات ورحلاتى المكوكية فيهم ، كنت دوما أتأمل الناس وأحب ردود أفعالهم ، جبت الكثير ولم أر مثل طيبة فلوبهم ، يغلبهم الهم ، وتحنيهم الشدائد ، يقسوا عليهم الحاكم والمحكوم ، فهم ملح الأرض ، لا حياة من دونهم ، ولكن ما أفقر الإعتناء بهم ، وفى كل ذلك تجدهم متقاربين وإن ظهر عكس ذلك فى أقوالهم ، نجد التصرفات هى الدلالة لما يريدون ، اشتقت الوجوه البشوشة المجهدة .

الأربعاء، 20 مايو، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 9



بالأمس عدت إلى المنزل لأقضى معهم بضعة أيام قبل عودتى لأتم ما بدأته لعل وعسى أجد فى الطريق الجديد ملاذا ، البحث عن الراحة فى أى الإتجاهين صار مغامرة خاسرة .
وفى الليل أكون وحيدا بعدما أصبحت ممن ليس لهم نصيب من النهار ، صرت كالخفاش ( أو ربما كمصاصى الدماء ) أسكن الليل ويؤذينى النهار ، أتأمل فى جنبات الحجرة التى شهدت من عمرى أعواما مديدة ، أقوم لأسلى نفسى بترتيبها ، أجد فى الأركان أوراقا قديمة ، ودمى محطمة والكثير من الروايات التى اختفت تحت الأتربة .
أبدأ بالترتيب فينساب بداخلى مع كل قطعة أنقلها أو أمسحها ذكريات بالتأكيد لم تنس ، ولكنه الزحام فى الحياة وبداخلنا هو ما يجعلنا لا ننتبه لها .

  1. يمر الوقت سريعا وأوقات الراحة أكثر من أوقات العمل ، لم يعد المجهود كما كان قديما ، لا بأس ليس بقلبى غضب ، فهى سنة الحياة ، أسلم لمن بعدى الراية ، وأجلس منتظرا الرحيل ، ربما يكون فى الغد وربما بعد أمد بعيد ، ربما صدقت ظنونهم وربما ثبت يقينى ، وبين هذا وذاك تتلاشى فى داخلى كل اللهفة والترقب لما هو آت ، فهو سيأتى فى موعده ولن ينتظر .
  2. تمتد بداى إلى مكان الهدايا ، أقلب فيها ، مع كل منها ذكرى ، لم أنس أحدا منهم قط ، من رحل ومن تبقى ، من عرف ومن لم يزل على الدرب سائرا ، يوما يجمعنا اللقاء يا أحبتى ، يوما سينتظم عقدنا من جديد ، ستعود الضحكة لتدوى ، ويعود القلب ليفرح ، تمتزج العبرات بالمشاهد المشوشة ، يأتى أذان الفجر يعلن نهاية الليل وبداية الصباح الذى يحمل فى داخله السؤال الأبدى .... أهو الأخير ؟؟؟؟




ليس بعد 
فى تلك الرحلة لن يكون معك سواك
فقط
سينتظرك من سبقك بالرحيل 

الأربعاء، 22 أبريل، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 8



حضن امبارح اللى كان فى رسالة فى أول اليوم
ومكالمة فى آخره
وتورتة نكتة




 ما احزن الله عبدًا الا ليُسعده
#نجيب_محفوظ


إذا صمت فاصمت حتى النهاية،
وإذا تكلمت فتكلم حتى النهاية
 لا تصمت كي تتكلم
 ولا تتكلم كي تصمت.
#جبرانيات


الوحدة أن يكون المرء في مكان وكل من يحب في مكان آخر 

عزالدين شكري فشير





_ وحشوك ؟
_ طبعا نفسي اطمن عليهم
_ طب كلمهم
_ ماينفعش 
_ ليه ؟!
_ عشان انا ماوحشتهمش


علشان كده بنحافظ عليه جوانا 
بنحارب لآخر نفس 
بندافع عن كل لحظة من ذكرياتنا معاه 


ما عادش سر
ولا كان هينفع يبقى سر 
أصل العيون ما بتخبيش 
والقلب دايب


إنتى عارفة إن كل الملامح محفورة جوايا مهما طال الزمن 


اللقا قرب 
كلهم بيقولوا كده 
خلاص القصة فى لحظاتها الأخيرة 
بس يفضل الشوق ملو القلب 
وحضن الروح




لملم أوراقه المتبعثرة .. يستعد للنهوض 
إبتسامة حزينة لم تغادر ابداً حديثه 
قال
يا ولدى 
لسنا سوى ضيوف غير مرغوب بهم فوق وجه الحياة

#حكايا



كلما ظن انهُ الموعد قد حان لحياة أخرى 
يخيب أمله ويعود بنفس الدائرة !
فلا هو بالميت ولا بالحى ..
فقط يمارس طقوس البقاء مجبراً

#حكايا



"وأخذت أنظر في الطريق وكاد يغلبني البكاء
كنا هنا بالأمس كان الحب يحملنا بعيدا للسماء"

- فاروق جويدة


الجمعة، 17 أبريل، 2015


فى ايه ياسيد !؟

- ابدا ياما .. حسيت ان انا عايز اقعد كده واشم شوية هوا

- مفيش حد زيك شبعان هواء .. انت يومك كله هوا 

- اه بس .. هوا عن هواء يفرق بردو ياما

- عندك حق .. هواء عن هواء يفرق .. انت بتحب ياسيد ؟

- حب ايه يا ام سيد !؟ ، احنا كبرنا عالحاجات دى .. !

- لا .. الحب يابنى مفهوش كبير ولا صغير ، وبعدين حتى انت لو محبتش يبقى اكيد فيك حاجة غلط !! .. قوم يابنى لتاخد لطشة برد .. كفاية عليك بقى شم هواء !

الأحد، 12 أبريل، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 7

كفى ى ى ى ى ى ى
انتفض صارخا من نومه والعرق يغمره ، وفزعت زوجته من هلعه وجذبته إلى حضنها مربتة عليه ، ومدت يدها إلى كوب الماء على الطاولة المجاورة جاعلة إياه يرتشفه كى يهدأ وهى تحاول مساعدته عبر قراءة ما تيسر لها من القرآن وسط قلقها الغامر عليه ، وما إن انتظمت أنفاسه حتى بادرته سائلة فى خفوت : أهو نفس الحلم ؟
هز رأسه أن نعم ، ولم تستطع الكلمات أن تغادر أعماقه المذعورة ، عالما أنه يكذب عليها ، كان يعرف أنها تحبه ، ولذلك اعتاد الكذب عليها منذ زمن بعيد ، بداية من مهام عمله وحتى كوايسه التى لم تنقطع يوما وتزداد مع مرور الوقت حدة ، حكى لها أن ذكريات الحرب تزوره وأن أطياف أصدقاءه وجنوده هى ما يعكر صفوه ، لم يعد يذكر الكثير عن تلك الحرب البعيدة إن كان لنا أن نسميها كذلك أصلا ، فلم يعد هناك أمر مؤكد فى هذا الزمن ، وكثيرا ما تساءل عن جدوى كل ما حدث ما دامت النفوس تصفو والكل يتجاوز ما يحدث والمصالح تجمع الجميع .
ابتعد عن صدرها ببطئ ومد يده يربت على خدها البض مطمئنا ، وطلب منها العودة للنوم فيما سيذهب هو لدورة المياه ثم يجلس ليدخن سيجارة فى هدوء ثم سيعود للنوم مرة أخرى ، تقوده قدماه إلى تلك الأريكة المميزة فى البهو فيلقى جسده عليها منهكا ، ما زالت تلك العينان  تزوران أحلامه وتؤرق عليه كل حياته ،  ما زال صمود ذلك الطفل يثير حنقه وغضبه ، لقد قتل وشرد الكثيرين فى القديم ولم يهتز له جفن ، ولم يكن فى داخله يشعر أن فى الأمر خطأ كى يؤنبه ضميره ، طبقا لقادته كان هؤلاء أعداء للوطن ، والقاعدة أن أعداء الوطن يجب اجتثاثهم وعرق أصولهم وفروعهم كى تتقدم البلاد ولا يكونوا شوكة فى ظهر نهضتها ، إلا تلك المرة البعيدة حين اقتحموا منزلا يأوى أسرتين للقبض على شاب منهم . استسلم الشاب من أول وهلة وكأنه كان يعلم بقدومنا ، أو يتوقعه ، كان هدوءه  مستفزا لى للغاية ، توقعت أن يصرخ مستغيثا أو راجيا أو حتى شاجبا ولاعنا إيانا ، ولكن ذلك الهدوء لم يكن منطقيا على الإطلاق فاقتربت منه وعويت على وجهه بضربة أطاحت بجسده الضئيل إلى ليرتطم بالحائط ويسقط على وجهه ، و .... فقط .
لم يتحرك ثانية ، وعندما اقترب منه أحد الضباط وجد أنه فارق الحياة ، أشرت بيدى فى عظمة آمرا أن يأخذوه إلى المشرحة بعد كتابة المحضر بإلقاء نفسه من الشرفة هربا منا فقاده تهوره إلى حتفه .  ما إن سمع أخاه الأصغر كلمتى حتى انتابته نوبة غضب قوية فهاجمنى مباشرة فعاجله أحد مرافقى برصاصة ألحقته به ، وعندما هاج الأخرون لما حدث كان لابد للقوة من التعامل معهم ، فهكذا يجب يكون التعامل الصحيح مع هؤلاء المخربين .
استدرت لأخرج فلمحته يقف بعيد تحجبه ضخامة أحد الجنود أن يراه أحد ، منكمشا فى ركن قصى ، كان ينقل بصره بين جثث أهله وبينى فى رتابة ، كانت عيناه تحملان اتهاما صامتا بكل ما حدث ، كان يعرف ، ولم يكن بين طيات نظرته أى حزن أو خوف ، كان خاوية تماما من أى تعبير ، تسمرت فى مكانى لا أدرى ماذا أفعل ، شئ غامض ألم بى ،ارتجف قلبى للحظة حتى ظننت أن بداخلى رعب من نظرته التى توقفت عندى تماما وكف حتى عن النظر إلى ذويه ، صرخت محاولا إزالة توترى سائلا عن من يكون هذا ؟ وعنفت أحدهم ليلقيه بعيدا عن هنا حتى يتم رجال المعمل الجنائى عملهم .

ثلاثون عاما مرت على تلك اللحظة ولا زالت نظرة ذلك الطفل توقظه فى رعب لم يجد له مثيلا طوال حياته ، لسنوات طويلة بعدها بحث عنه ، لا يدرى ما الذى كان يريده منه ، بالتأكيد لن يطلب عفوه ، ويقينا لن يأخذه ليربيه فهذا يجدث فى الأفلام الهابطة فقط ، ربما كان يريد أن يتخلص منه لكى يثبت لنفسه أنه أقوى وأنه سيكون دوما المنتصر ، ربما لم ينتبه أحد ممن عرفه إلى ذلك ولكن ذلك  الطفل كان دوما نقطة ضعفه ، وعلى الرغم من كل السلطة التى حازها ، لا يزال يرتجف كلما تذكره ، وما زال غضبه يزداد ، أنهى سيجارته وخرج للشرفة محاولا الترويح عن نفسه ، ولكن الطبيعة تعانده فالمطر الغزير يرده إلى الداخل فيندفع غاضبا ، لترتطم أصابع قدمه بالمقعد فيقفز صارخا ويختل توازنه ويسقط على صادما برأسه الطرف الرخامى للمنضدة الصغيرة ، يحاول الصراخ مناديا فلا يستطيع ، الدم يغرق وجهه منبئا عن إصابة بالغة ، الألم يغزوا جانب صدره الأيسر منبئا عن أزمة قلبية أخرى  ، تنساب من عينيه دموع العجز ، يدرك أنها النهاية .

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 6



اختطاف 

تزين عيناه نظرة فزع لم تختف منذ أعوام مضت حتى أصبحت جزءا منه ، يتحرك ببطء وخفة بين الجدران المهدمة ، يختبئ تحت أغصان تلك الشجرة - التى سقطت من قصف ما - حتى مرور هؤلاء الرجال ، لا يعرفهم ، ولكنه أيضا لا يأمنهم ، تجربته علمته أن الثقة أقصر الطرق للضياع ، سنه الصغير يغرى بالكثير من الأمور المفزعة التى رأى خفية منها ما شاب له شعره ، يذكر يوما بعيدا حين رأى زميلا له أمسك به بعضهم ، يومها اختبأ مرتعدا ولم يستطع لوم نفسه على ذلك ، فماذا ستفعل قامته القصيرة وعضلاته الواهنة مع أولئك العتاة ، تنساب على خده دمعة صامتة وهو يستعيد صرخات الفزع والألم التى انطلقت منه وهم يتسلون بتعذيبه مرارا وتكرارا لاهين به بينهم حتى أن أحدهم قرر ن يقضى منه مأربه القذر فلم يتركه حتى صمت صوته للأبد .
ينتبه لخطوات تعبر سريعا على مقربة منه ، ينظر بحذر ، يندهش من تلك الفتاة التى تكبره بأعوام وترتدى أسمالا بالية على جسدها ، لم يكن حالها ما يثير الدهشة ولا تواجدها فى تلك الخرائب البعيدة ، فتلك عادة أغلبهم حيث ضاع الأهل أو رحلوا إلى مكان آخر ، ربما يكون بعيدا أو حيث اللاعودة ، ولكنه اندش لأنه عتقد أنه يعرفها ، ولكن مهلا ربما يكون على حق ، صحيح أنها تغيرت كثيرا جدا عن آخر ما يتذكره لها حين رآها فى المرة الأخير واقفة تنشد بصوتها الشجى فى الإذاعة المدرسية  ، افتر ثغره عن ابتسامة حانية رغم ما به وهو يتذكر ترديدهم ورائها نشيد بلادهم ، كانت تجعل لمعنى النشي مذاقا خاصا ، تنساب الكلمات منها معبر عن معانيها ، كانت تردده بكل كيانها ، كانت تعشق كل حرف تقوله فى سبيل بلادها .
انتبه لابتعادها وهم أن يناديها ، إلا أن الثوانى التى شرد فيها كانت أثمن مما يعتقد ، وانتفض جسده من تلك الخطفة الغادرة التى قام بها أشخاص وكأنهم نبتوا من العدم ، أخذين إياها فى صمت بعيدا بعد تكبيلها وتكميمها ، حاول أن يجرى نحوهم إلا أن قدميه التصقتا بالأرض وعجزتا عن الحركة ضعفا ربما وخوفا أكيد .
جلس أرضا محيطا ساقيه بذراعيه ومستندا لبقايا الحائط  المزين برسم يشى بعراقة ذاك المكان وكينونته الراقية يوما ، لم تستطع عيناه أن تذرف المزيد ، ولكن القلب نزف دما من عجزه عن نصرتها مع علمه بمصيرها المروع ، يعرف ما سيحدث حتى وهو لا يعلم من هؤلاء فالإختلافات ليست كثيرة إلى تلك الدرجة ، منذ حمل الجميع السلاح لم تعد الكلمات لها معنى ، ولا الشعارات تفيد أحدا حتى رافعيها ، كلهم يقولون كلاما عن الحقوق والواجبات ، يسمع الخطب ولا يفهمها وإن كانت مهارته فى حفظها لا يضاهيها أحد مذ كان فى فصله فى تلك المدرس المهدمة فوق أطفالها عند الطرف الشرقى للبلدة .
كلهم يقولون ، وكلهم لا يفعلون ، لا .. هم يفعلون ما يريدون هم دون النظر إلى كل تلك الدماء المراقة ، ينكمش جسده أكثر وتنكمش روحه حتى تكاد تتلاشى وهو يتذكر أجزاء والده وأخته الصغيرة المتناثرة فى جنبات البيت ، ووالدته التى لم يعرف لها مصيرا ، نجا من قصف مدرسته لأنه كان يعود الطبيب مع أخته الصغيرة لتغيب والده مع والدته فى جنازة شقيقه الأكبر الذى أعدم لانه رفض المشاركة معهم ، ونجا من قصف منزله لأنه كان يبكى عند قبر أخيه بعدما علم بالنبأ بعدها بأيام .
تتزاحم المشاهد  فى رأسه ، يكاد يفقد وعيه وهو يتذكر كل ذلك ، لم يعد  البكاء يخفف عنه ، ولم يعد يعرف إلى أين المستقر ، يتنقل بين الأماكن مستترا بالظلام ، يبحث عن بقايا يأكلها وعن جدار يؤمن له الحماية ريثما يستريح ، لا يعرف إلى أن سينتهى الأمر ، لأنه لا يدرك أصلا كيف بدأ ، كل ما يعرفه أنه سيبقى حتى تنجلى تلك الغمة ، يومها سيبحث عن أمه ، وربما أيضا يجد خاله القاطن فى البلد البعيدة والذى لا زال يذكر حنانه وعطفه عليه ، يقفز فوق أخدود المياه الصغير ، ويتجاوز تلك الأعشاب الشائكة و .....
هاهاهاهاهاها وجدت صبيا آخر ، يبدوا أن الحظ رفيق دربى اليوم يا رفاق .
يسمع ضحكاتهم وهو لا يعى كيف حدث هذا ، إلا أنه يعلم جيدا ، أن كل ما كان يحلم به لم يعد ممكنا ، وأنه يقينا لن يشهد النهاية .
***************
القصة لها مصدر حقيقي وليست كلها وليدة الخيال للأسف 

الثلاثاء، 7 أبريل، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 5



قبل النهاية

لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يجلس فيها إلى صديقه الأخير ، فمنذ عرفه وهو لا يأتمن سواه ، ولا يجد السلوى إلا معه ، تتناثر الأعوام ويتطرد مرورها ، يفقد خلالها الكثير من الجمال فى داخله ، تظهر تلك الصحراء القاحلة فى تلك المنطقة البعيدة ،  تتزايد ، يموت الأخضر ويتناثر اليابس فى الهواء ، وتزداد حرارتها يوما بعد يوم ، لم يعد لديه الكثير من تلك الزهور المعطرة لقلبه ، هذا إن كان القلب لا يزال حيا يحتاجها من الأساس .
 يغير من وضع قدمه كل ثانيتين ، يلقى بالحجارة ولا ينظر إلى تموجاتها على صفحة المياه كما كان يفعل فى القديم ، يكتم جاهدا تلك الصرخة التى تحارب كى تفلت من بين شفتيه لتدوى فى أرجاء الكون وتزعج القاطنين على حدود العالم معلنة سخطه على كل ما يحدث وحدث وربما ما سيحدث يوما أيضا ، يقف مراودا نفسه أن يلقى نفسه بين طياته فيغتسل لعل روحه تبرأ ، ثم يجلس متراجعا وموقنا أن ذلك ليس حلا ، تجد الدمعة الحبيسة ملاذا لها بين أجفانه ، ولكنها لا تنزل لترطب ذلك الخد الذى أوشك من تيبسه أن تغزوه الأخاديد .
يلتفت إلى ذلك القادم من بعيد متخفيا بالشمس من وراءه ، هو قادم إليه ، فليس أحد هنا سواه ، والمكان لا يقربه أحد منذ اليوم الذى اجتثت فيه براثن الإثم زهرات القلب اليانعة ، يتشكل الخيال من بعيد ، يشبه ذاك الراحل فى يوم العزة ، يزداد الشبه يقينا ، وتزداد الحيرة ، يظهر وجهه المميز دوما بتلك البسمة الهادئة ، الممتلئة بحكمة الكون ، ينتفض واقفا ليأخذه بين ذراعيه ، إلا أنه يشير إليه بحزم فيجلسه ويجلس بجواره ، ينظر للمدى ويلتقط الحصى بأصابعه كى يلقى بها إلى بعيد ، تتزاحم الأسئلة ، ولكن الطمأنينة فى قلبه تسرى ، هل آن الرحيل ؟
يربت على كتفه ويمد ذراعه ليضمه إليه ويسمعه صوته الحانى الذى طالما اشتاق إليه . لا يا صديقى ، لم يحن الوقت بعد ، فما زالت لك فرحة أخيرة فى ذاك العالم الملئ بالكراهية .
ولكننى اشتقتكم ، وامتلأت بالحيرة ، لم يعد لى مكان هنا ، لا القلب يحتمل ، ولا الجسد يقوى ، وليس فى الروح ملاذ بعدما أثخنتها الجراح .
لم يكن لك مكان فى هذا العالم قبلا حتى عندما كنا بجوارك ، ألا تذكر حين قالتها لك قديما فى طرقات المعبد القديم ، لم يعرفك أحد مثلها وربما لن يعرفك أحد بعدها ، ولكن لتذكر أيضا نصيحتها " كن للعالم أنت ، يكن العالم لك كما أنت " .
ربما صدقت فى وصفها ، ولكن بالتأكيد نصيحتها لم تكن تصلح ، كنت أنا ولم أجد العالم الذى أريد ، صرت مهرج القرية ، أضحك الناس وأكتم فى داخلى جراح خيانتهم لى ، كنت لهم ذاك الحائط الذى يحتمون به والظهر الذى يحميهم ، وكانت طعنات الغدر أبسط ما فعلوه بى . طالت الرحلة وابتعد الطريق ولم تعد فى القلب طاقة على المسير .
ستظهر شمسك حينا عن قريب ، وستعرف حينها أن الغد كائن ، قم يا صديقى وانتعش ، فقريبا ترفل فى الفرحة .
أى فرحة والقلب تعلوه الكآبة ؟
أجل الصدأ يلمع الحديد
صبرا لا تبتعد ، وأخبرنى كيف أزيل صدأ السنين ؟؟؟؟
احكِ ، بالحكاية  يضيئ قلبك
عن ماذا أحكى ؟

عن رجم الشمس .

الخميس، 26 مارس، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 4



عشق

لو كان لكل جيل عنوان ، فليس أجدر بذلك الجيل  اسما من ( جيل التيه ) ،. فالتيه هو الدرب الذى يسير عليه كل أبناءه ، وليس ذلك لعيب به ولكن لأن المشيئة الإلهية أرادت أن يحمل هو عبء البناء للأجيال القادمة بعد سنين من القحط والجفاف والتصحر والتجريف .... والأخطر ( التزييف ) .
وجد الجيل الحالى نفسه مطالب بأن يبنى كل شئ  ، وأول بناء الدول هو الأفراد والعقول والأمزجة والصفات ، فكان لا بد من مراجعة كل ما هو سابق ، وبلا أدنى تحفظ أو تمييز ، وقد إعتقد البعض يوما أنها ستكون أهم من ثورة فرنسا ، إلا أننى أجزم وبقوة أنها ستكو الثورة الأعظم فى تاريخ الإنسانية ، ولعلنا إن امتد بنا العمر سنجلس كى نتدارس تلك التقييمات ، ولعل الله يجعل ذلك عن قريب .
تقع رواية عشق فى مكان مميز مما اسميته يوما " أدب التيه " ، فهى تساؤلات ربما كانت محيرة للكاتب أكثر بكثير من حيرة أبطال روايته الجميلة ، ذكرتى حي مضيت فيها برواية أخرى وهى " قواعد العشق الأربعون " ، فكلاهما يصف حال الشباب فى الجيل الحالى الأغلب مع الأخذ بإسقاطات قديمة فى توقى ما لا بد منه .

" ادفن وجودك فى أرض الخمول . فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه "

يبحث الجميع عن ذواتهم فى أمور كثيرة ، وفى خضم ما يحدث قلبل من يجد الطريق ، ونجد هذا القليل وقد بلغ بداية الطريق بعد جهد ونصب ثم قليل منهم من يكمله للنهاية .

"ومنذ فترة طويلة يا عزيز . منذ فترة طويلة للغاية ، نمت دون أن أحلم بكوابيس "

الرواية أعتبرها من الروايات الأكاديمية - مثل قواعد العشق - وهى التى تتناول الأمر من وجهة نظر معرفية وتتناول تفاصيله فى إسهاب إلى حد ما فقد تناول فيها الكاتب أمرين بشكل تفصيلي عجزت عن متابعته أحيانا ، ولكنك فى النهاية تكمل الرواية لأنك تجد لغة الكاتب فى روايته قوية وفصحى غير معقدة بلإضافة إلى أنه سلس فى أسلوبه ومتماسك فى حبكته بشكل سيدفعنى حتما للبحث عن عمله  الآخر ... ترنيمة سلام .
*****************************
  أيها الراحل عن قلبك .... اصدح بالفراق تصل


فى رحلة الألم .... والأمل :) 3



الخمر ما عادت تسكر أحدا

يظل كاتب تلك الرواية فى عمله الثالث قادرا على جذبى لما يكتبه الجيل الجديد ، فهو من مجموعة قليلة تجعل شمعة الأمل فى خلق مستقبل للرواية بعيد عن النمطية التى سادت جيل الوسط الذى عايش سنوات الظلم المنصرمة ودار فى فلكها فكا الإنتاج الرث فى كل مناحى الثقافة فى بلادنا وخاصة التسعينات من القرن الماضى .
فى سرد رائع يأخذك الكاتب فى رحلة تبدأ لما بدا فى رأيه أنه أول الحكاية ، وبداية المشكلة التى قادت إلى الثورة مارا فى طريقه بكل المجتمع وتغيراته الممتدة طوال ما يقرب من ستين عاما يجدها متوالية من الحزن المستمر وفجيعة تقود إلى فجيعة .

" السجن لا يحبس الجسد فقط ، إنما يخنق الروح التى تسكنه فيتضاعف عليها القيد فترزح تحت أسر الجسد وأسر الجدران وأسر السلاسل . عندما تحبس الطيور الحرة تموت أسرا وعندما تحبس قطة تصير وحشا وعندما يحيس برئ يغدوا مجرما  "

يجسد الكاتب مصر فى مجموعة من الأصدقاء تتباعد بهم الإهتمامات والمشارب فيقودنا عبرهم إلى التغيرات الأساسية التى حدثت على المستوى السياسى فى مصر ، من حقبة الناصرية فالإنفتاح ثم السلام المزيف وبعدها يفصل قليلا فى مذابح الحرية التى قادت إلى الكثير المذابح الإجتماعية للكثير من القيم الأساسية فى حياتنا ، والحراك المتغير فى الدولة من حراك عيف لأفراد وجماعات مرورا بحراك الدولة ضد الدولة نفسها ، ثم حراك الحركات الشبابية التى انطلقت كفرا بكل تلك التمثيلية الهزلية بين المعارضة والحكومة حتى يصل إلى لحظة الإنفجار وتتويج كل الجهود التى بذلت  باللحظة الأروع فى حياة كل من عاشها .... الثورة .

" لا يمكن أن يصنع الثورات إلا العاشقون . من لم يعرف الحب فأبدا لن يثور "


أحببت الأمل فى خاتمة الرواية وأتفق معه ليس عن خيال ولكن قراءة متواضعة لواقع أعيشه ، وإن بدت لى نهاية لاهثة تذكرنى بنهاية باب الخروج للصديق عز الدين شكرى .
أعتب على الكاثب عتابى المتكرر أن تتفلت العامية فى بعض مواضع روايته مع علمى بتمكنه القوى من الفصحى كتابة ولفظا وأتمنى أن أجده يوما أحد أركان المدافعين عن تلك الهوية الجميلة .
ويظل فى قلبى غصة تنمو يوما بعد يوم من أغلب كتاب جيلنا ، وهى الإطناب فى وصف المشاهد الجنسية ( الحميمية  ) والإفراط بشكل ربما لا يكون مفهوما لى حتى الأن ، ولا أظن أن أغلب ما يكتب فى حاجة إليه .

**********
ترثون دماء
حبلى بدماء
يتلوها دماء

مسكين من نسى الكلمة 

فى رحلة الألم .... والأمل :) 2



هى .... وجه آخر

تتوالى القصص فى تلك المجموعة الصغيرة والمختصرة فى رأيي فى تتابع جميل وسلس ، ربما لا يكون متناسقا إن كان قصد منه تناسقا ، ولكن يجذب عقلك إلى تلك المنطقة المهملة من خيالك وواقعك ....  هى  .
بكل تلك التفاصيل التى تغفل عها فى تعاملك معها ، والتى يأتى على رأسها أنها هناك حولك فى مكان ما تنتظر أن تفرغ مما يشغل بالك ، وتنتهى من كل مهام حياتك كى تدرك أنك كل ما يشغل بالها ، وكل مهام حياتها  ، وأنك تملأ بالكامل ذاك الحيز المسمى حياتها ، بكل تفاصيلها .
فى تلك المجموعة تنادى عليك أن تنتبه قبل فوات الأوان ، قبل الإمتلاء ، قبل الإنفجار ، قبل أن تدخلها فى تلك الدائرة الجهنمية التى لا نهاية معروفة لها فى تاريخ البشرية على الرغم من كل المحاولات الوصول التى نعرفها والتى لا نعرفها لكسرها .... كى تتخلص من حبه وتنتقم من تجاهله ، ماذا يجب عليها أن تفعل ؟؟؟؟

" ظلم بظلم .. وعين بعين .. وإن وجد الحب !!!!
فأشلاء الحب لا تحيي القلب " 

المجموعة جميلة إلى حد كبير وخاصة فى سلاسة السرد وإن كانت تقع فى النمطية التى أجد لها الكثير من العذر لأنها المجموتعة الأولى لها ، فالمرأة لم تخلق لكى تكون آخر بجانب الرجل ، ولكن لكى تكو هى بكل تلك الكينونة الممتلئة بالأسرار والحكايات ، التى من الممكن أن تحكى منفردة ود ارتباط فى الذهن بالرجل ، كما أن الصور المعتادة من المرأة العاشقة التى يبلغ بها السيل الزبى فلا تقدر على الإفلات من الحب ولا تقدر على البعد ولا على الإيذاء فتنفجر - وإن كانت واقعية  وكنت شاهد عيان على بعضها - إلا أن تطور المجتمع يقود إلى تطور فى الشخصية الداخلية لها وتقترب من الحسم ، ليس عن طريق القرار القاطع كالأفلام القديمة ولكن عن طريق الوصول إلى متغير جديد فى المعادلة يجب أن يكون قويا ومحوريا كى يعيد خلق كل الحسابات فى شكل جديد .

عمل رائع وأنتظر عن شغف الإصدار القادم فى القريب بإذ الله   

*****************************
يوما ستعبر فى أجواء الصمت كى تصل إلى حدود الحلم


فى رحلة الألم .... والأمل :) 1


دائما ما يصاحب لحظات الحقيقة الكثير من القلق ، عدم التصديق ، يأخذك خيالك لعوالم أخرى كإجراء دفاعى لعدم إداراك الحقيقة الجديدة  .. لم تعد الأمور كما كانت . ولو صدقت ظنونهم فل تعود من جديد . وبين جسد يتمرد على كل تلك الحقائق العلمية والإستنتاجات - التى يدرك ويعلم يقينا صدقها ومنطقيتها - ويحاول جاهدا الهروب منها ، ونفس لن تتقبل كل ذلك حتى اللحظات الأخيرة طال انتظارها أم قصر ، يكون الهروب هو الدرع الأخير كى تعيش فى هدوء .  

ويأتى الهرب فى قاموسى عبر طريقين لا ثالث لهما ، السفر أو القراءة . وبما أن السفر أصبح موازيا لرؤية العنقاء فى استحالته كان الطريق الثانى حتميا ، وخلال الفترة السابقة قرأت الكثير والكثير جدا ايضا ، إلا أننى لم أستطع حتى تلك اللحظة أن أكسر ذلك الحاجز الذى يلازمنى كلما نظرت إلى مكتبتى وإلى الكتب المنتظرة دورها فى القراء والتى تحتاج إلى أعمار فوق أعمار وجهد يفوق ما فعله بروميثيوس فى دحرجة الصخرة على جبل طارق صعودا منذ آلاف السنين .


وترويحا عن النفس وتزكية للوقت قررت أن أكتب تنويها عن بعض - ومن المستحيل أن يكون كل - ما أعجبنى ، فلربما ينتفع به أحد فى يوم ما فيكون ثمرة ذكية ، وفقط أنوه أن الكتابة ليس ترتيبا للأفضلية ، فبعض ما أقرأ يكون أروع  من كل ما كتبت عنه ، كما أن الترتيب ليس دليلا على أى شئ سوى أنه فى النهاية يجب أن يكون هناك تواليا لذكرهم بشكل ما وفقط  .


*************
أيها الغريب صبرا .... ففى حواصل الطير من الألم الكثير

الأربعاء، 28 يناير، 2015

العاديات




حيث الأنفاس غبار والسقوط نجاة


قرأتها . لا أعتقد أن ذلك هو اللفظ المناسب لما حدث مع تلك الرواية  ، لربما لو قلت عشتها تقترب مما حدث حين فتحت دفتيها وتسللت بين سطورها ، تداخلت تفاصيلها بداخلى ووجدتنى مع كل فرد من أفرادها فى ما يقول ويفعل بل يشعر ، انتفضت غاضبا وارتعدت خائفا ، حلقت فى تلك المنطقة البرزخية بين ما هو مادى وروحى ، رأيت الحقيقة .

تأخذك الرواية فى صفحاتها القليلة إلى عوالم تنسيك ما حولك وتشدك إلى داخلها ( ويكفى حين أقول أننى قرأتها فى السيارة حتى أننى لم انتبه لمحطتى فاضطررت للرجوع ) ربما يخمن البعض أنها تحكى عوالم الخيال العلمى أو المغامرات والتفجيرات ، ولكن المفاجأة أنها تحكينا ، تحكى عالمنا ، ولكن برؤية فنان حقيقي يجمع أجزاء اللغز ويعيد تشكيل كل تلك المشاهد الضخمة وما يجرى فى العالم فى سرد بسيط لا تجد أمامك غير أن تنساب معه ومع ما يحكى لترى كل ما تريد ، ترى الماضى القريب والماضى البعيد والواقع ، بل .... والمستقبل .

فى داخلك وأنت تقرأ الرواية تجد صراعك مع نورك وظلمتك  ، تجد من حولك فى شخصياتها ، تجد من عرفت ومن لم تعرف ، ترى ما عرفت وما كان خافيا عنك فى تلك الحجب ، تهتدى بتلك النجمة المتلألأة فى سماء نفسك ، ويقودك ظلامك حيث التيه الذى لا تعود منه .

الأمل ، ربما يكون ذلك اللقب مناسبا كى أطلقه على الرواية ، فهى قد أبرزت ما مضى ، وقالت عن ما هو آت الكثير ، وأظهرت الشمس فى فجر الغد القادم .

تخوننى الكلمات إذ أحاول صياغة ما جال بخاطرى بعد انتهائى منها ، ولكن ما لا يختلف عليه اثنان أنها رواية استثنائية ، وأنها من أفضل ما قرأت منذ دهر من الزمن ، وأننى سأعود لأكتب عنها بعد استجماع شتات نفسى من جديد .

*************

قال لي يومًا إن شيخه علّمه كلمات لن ينساها، قال له:  كن حيث قلبك ثم اثبت
فسألته ببلاهة:  والهوى يا صديقي، ألم يخشه عليك ؟
فصمت ولم يجب   .

ولكنّي في ذلك اليوم عرفت الإجابة.