الأحد، 24 يناير، 2010

مغامرة رحالة

قررت الإنعزال فاقتربت من الناس

بدأت الرحلة فى محطة القاهرة بداية عادية جدا بعد الإستعداد بشنطة بسيطة فيها بعض المأكولات الخفيفة وترنج للنوم هناك وترنج آخر بديل الذى ألبسه للخروج وبالطبع ذهبت إلى المحطة قبل موعد القطار بساعة وأنتظرته عند نهاية المخزن وليس على الرصيف كى أحجز مكانا أجلس فيها وهذا من واقع خبرتى القديمة بالقطارات الناشئة عن سنين الدراسة وبالطبع خرج القطار من المخزن بعد موعد خروجه من الرصيف بثلث الساعة تقريبا ليجدنا السائق نجرى ناحية القطار من على جانبيه متسابقين فى اللحاق بالأبواب المفتوحة كى نقفز منها إلى داخل القطار فى مشهد ربما شاهده البعض منكم وإن لم يشاهدوه فلتذكروا أفلام الهنود الحمر وإن لم تشاهدوا تلك فلتتخيلوه ( مش فاضيين بقى نقف عن كل كلمة ونشرحها بالتفصيل يعنى ، إيه الغلاسه دى ، أمرى لله فيكم ) وبعد الصعود إلى القطار والجلوس فى الجانب الأيمن منه بجوار الشباك عند المربع الثالث فى العربة الثالثة من نهاية القطار ( مكانى المفضل دوما ) ووصل القطار إلى المحطة وبدأ هجوم التتار على القطار المسكين وفى خلال دقيقة على الأكثر كان بداخله ضعف العدد الرسمى من الركاب وتصادف أن كان معى فى المربع شاب جامعى ومعه ثلاث فتيات جاء هو قبلهم ليحجز لهم كما هى العادة كى يجلسوا ضاربين بعرض الحائط أولوية كبار السن والمرضى والمتعبين فى هذا التوقيت، وبعد خروج القطار ومن كلامهم تبينت أنهم فى السنة النهائية بكلية الأداب قسم الفلسفة بجامعة القاهرة وهو ما جعلنى أندهش للحظة فبداية كلامهم تدل أنهم قادمون ( كالعادة )من وسط البلد وبالتأكيد الجامعة ليست هناك ، ولكننى سرعان ما ألقيت بكل هذا خلف ظهرى لأسألهم عن مقال قرأته لـ ( كانت ) قبل ذلك بقليل وسألتهم عنه فأجابنى الشاب الهمام بعد أن تفكروا جميعا لبعض الوقت قائلا بذكاء واضح : مش ( كانت ) دا بتاع الفلسفة الألمانى .
ومن غزارة علمه ومعلومته القيمة استنتجت أنه لا بد من المتميزين فى القسم خاصة بعد علامات الإنبهار التى ظهرت على الفتيات ، وفضلت تغييرا لمجرى الحديث أن أسألهم عن كليتهم وقيمتها ودراستها وما إلى ذلك فأجابنى بكل شجاعة وفخر : تعرف إن طه حسين كان عميدنا .
وهنا لم أجد سوى أن أرسم على وجهى كل علامات الدهشة والذهول من صدمة المعلومة غير التقليدية وخوفا من إصابته بالإحباط وبالطبع لم أتطرق معه فى الحديث إلى من هو طه حسين أو أعماله حتى لا يفاجئنى قائلا مثلا : إنه المصرى الحاصل على جائزة نوبل فى الأدب أو ما إلى ذلك من تلك الأمور التى تصيبنى دوما بالغيظ وتكاد تصل إلى الإصابة بالضغط ، وهو ما يذكرنى بخبر نشرته الأهرام يوما عن استطلاع أجروه عن ثورة 23 يوليو فأجاب أحد شباب الجامعة : إنها الثورة التى قام بها الزعيم العظيم والقائد سعد زغلول .
وعند هذا الحد قررت أن أتركه فى حاله حتى تأتى محطته وينزل ليريحنى منه ومن الغم الذى يصيبنى كلما رأيت ضحالة العلم والثقافة الذى وصل إليه الشباب فى بلادنا وكأنهم لم يسمعوا أنه قد انتهت كل الحروب القديمة واستخدمت فيها كل الأسلحة حتى وصلنا إلى مرحلة الردع ولكن الحرب الحالية وكل الحروب القادمة تقوم على حرب الفكر القائم على المعرفة وهذا لا ينفع معه تسليح أو جيش بل يجب أن يقوم كل منا بما يجب عليه من بناء نفسه والمشاركة فى بناء الأخرين لعلنا نجد لنا مكان فى الزمن القادم .

الخميس، 21 يناير، 2010

عنوان حياتى


الجنون


كان ومازال الجنون عنوانا لحياتى ، وهذا ليس كلامى بل كلام من حولى من المقربين إلى بل ومن يعرفوننى ولو قليلا ، ولا أريد اعتراضا من أحد هنا على ذلك ووصفى بالعقل والرزانة وكل تلك الأمور ، فلا يعدوا المعروف عنى هنا سوى أمور قلائل ، هو ما أكتبه أنا ، وما أريد أن تكون صورتى عند الناس وسأترك تناول ذلك لما بعد ، ولأننى أرى عيونا غير مصدقة لما أقول ، سأحكى عن حدث تم فى فترة اختفائى الأولى وأترك الحكم لكم .
كنت فى ذلك الوقت فى الحقيقة يؤرقنى عدد من الأمور لست فى حل من ذكرها ولكن فى مجموعها جعلتنى أقرر أن أنعزل ولو لفترة فى أجازة كى أعيد ترتيب أوراقى من جديد ، وجلست أفكر أين أذهب فى أجازتى ؟ وما هو برنامجها ؟ وبعد استعراض فى غنى عن ذكره لم أجد حلا لتلك المعضلة ، وفجأة تذكرت رحلة قمت بها مع أحد أصدقائى من قبل من سنين عديدة ( أدعوا الله أن يعود ثانية بسلامة الله وأمنه إلى مصر ) وهى من القاهرة إلى أسوان بالقطار وقد تبدوا الرحلة عادية ولكن ماذا إذا قلت أنها بقطار الدرجة الثانية سياحى ( المميز ) المراكز وليس المكيف أو النوم المحافظات وهو ما يعنى أمرين بالنسبة لنا ( بعيدا عن ذكر ملائمته ميزانيتنا الضيئلة منعا للإحراج ) ، أولا هو ممارسة هوايتنا فى تأمل البشر ومعرفة الأحوال ودراستها من خلال الواقع وثانيا السلية والتأمل معا وهو ما لا يتوافر فى ما المكيف حيث لو فرضنا التحدث تجد طيقة معينة فقط وغالبا ما يكون الحديث مملا وننهيه بالنوم تلافيا لبدء حديث آخر ، أما فى القطار العادى فتجد أناس يتغيرون مع طول المسافة وتعدد المحطات فمنهم العامل والمتعلم والفلاح والرجل والمرأة والكبير والصغير والجاهل والمثقف والعالم وتجد أهم من ذلك تجدد الأحداث فمن جو هادىء أحيانا إلى زوبعات إلى مشاجرات إلى أحاديث متنوعة ، تشارك فيما تحب وتنظر فى النافذة منطلقا فى الشرود إذا لم يعجبك الحديث حيث تجدا أفكارا وذكريات تسليك وتعطيك الكثير من الضحك والألم ، وربما يستكثر البعض كل تلك الأمثلة فأقول له إن الرحلة تستغرق رسميا 18 ساعة تقريبا وبالطبع مع قمة الإلتزام فى مواعيد دخول وخروج القطار من المحطات المختلفة والتهدئة والتخزين للقطارات الأسرع والوقوف بدون سبب بين المحطات ( طبعا لا يمكننى أن أذكر كم حمدت الله عند الوصول أن الرحلة لم تشتمل على حريق بماس كهربى أو وابور جاز أو خروج عن القضبان أو تصادم أو انقلاب )وما إلى ذلك من تلك الأمور التى تحدث فى كل البلدان المتحضرة ( وعشانا عليك يا رب ) لكم أن تتخيلوا الزمن الحقيقي للرحلة وما فيها من أحداث سأحكى البعض منها بإذن الله وإن لم يأتنى زوار الفجر فربما أواصل الحكاية فما تشاهده فى رحلة كتلك من الغرائب والعجائب من الصعب أن يحصره كتاب واحد فما بالكم بمساحة بسيطة كهذه خاصة وأننى فى أثناء العودة طورت الرحلة وواصلت إلى عاصمة الحضارات الأسكندرية لأقضى فيها وقتا ممتعا ولتكون رحلتى عبر مصر قد تمت فى هذه المرة .
وحتى اجمع أفكارى وأعرف ما سأبدأ به وما سأوجله إلى وقت آخر وما هى تسمية تلك الرحلة ( أنتظر اقتراحكم بخصوص الإسم فهى المرة الأولى التى أكتب فيها عن أمر مثل هذا ) ، لنا لقاء آخر قريبا بإذن الله .