الأربعاء، 8 أبريل، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 6



اختطاف 

تزين عيناه نظرة فزع لم تختف منذ أعوام مضت حتى أصبحت جزءا منه ، يتحرك ببطء وخفة بين الجدران المهدمة ، يختبئ تحت أغصان تلك الشجرة - التى سقطت من قصف ما - حتى مرور هؤلاء الرجال ، لا يعرفهم ، ولكنه أيضا لا يأمنهم ، تجربته علمته أن الثقة أقصر الطرق للضياع ، سنه الصغير يغرى بالكثير من الأمور المفزعة التى رأى خفية منها ما شاب له شعره ، يذكر يوما بعيدا حين رأى زميلا له أمسك به بعضهم ، يومها اختبأ مرتعدا ولم يستطع لوم نفسه على ذلك ، فماذا ستفعل قامته القصيرة وعضلاته الواهنة مع أولئك العتاة ، تنساب على خده دمعة صامتة وهو يستعيد صرخات الفزع والألم التى انطلقت منه وهم يتسلون بتعذيبه مرارا وتكرارا لاهين به بينهم حتى أن أحدهم قرر ن يقضى منه مأربه القذر فلم يتركه حتى صمت صوته للأبد .
ينتبه لخطوات تعبر سريعا على مقربة منه ، ينظر بحذر ، يندهش من تلك الفتاة التى تكبره بأعوام وترتدى أسمالا بالية على جسدها ، لم يكن حالها ما يثير الدهشة ولا تواجدها فى تلك الخرائب البعيدة ، فتلك عادة أغلبهم حيث ضاع الأهل أو رحلوا إلى مكان آخر ، ربما يكون بعيدا أو حيث اللاعودة ، ولكنه اندش لأنه عتقد أنه يعرفها ، ولكن مهلا ربما يكون على حق ، صحيح أنها تغيرت كثيرا جدا عن آخر ما يتذكره لها حين رآها فى المرة الأخير واقفة تنشد بصوتها الشجى فى الإذاعة المدرسية  ، افتر ثغره عن ابتسامة حانية رغم ما به وهو يتذكر ترديدهم ورائها نشيد بلادهم ، كانت تجعل لمعنى النشي مذاقا خاصا ، تنساب الكلمات منها معبر عن معانيها ، كانت تردده بكل كيانها ، كانت تعشق كل حرف تقوله فى سبيل بلادها .
انتبه لابتعادها وهم أن يناديها ، إلا أن الثوانى التى شرد فيها كانت أثمن مما يعتقد ، وانتفض جسده من تلك الخطفة الغادرة التى قام بها أشخاص وكأنهم نبتوا من العدم ، أخذين إياها فى صمت بعيدا بعد تكبيلها وتكميمها ، حاول أن يجرى نحوهم إلا أن قدميه التصقتا بالأرض وعجزتا عن الحركة ضعفا ربما وخوفا أكيد .
جلس أرضا محيطا ساقيه بذراعيه ومستندا لبقايا الحائط  المزين برسم يشى بعراقة ذاك المكان وكينونته الراقية يوما ، لم تستطع عيناه أن تذرف المزيد ، ولكن القلب نزف دما من عجزه عن نصرتها مع علمه بمصيرها المروع ، يعرف ما سيحدث حتى وهو لا يعلم من هؤلاء فالإختلافات ليست كثيرة إلى تلك الدرجة ، منذ حمل الجميع السلاح لم تعد الكلمات لها معنى ، ولا الشعارات تفيد أحدا حتى رافعيها ، كلهم يقولون كلاما عن الحقوق والواجبات ، يسمع الخطب ولا يفهمها وإن كانت مهارته فى حفظها لا يضاهيها أحد مذ كان فى فصله فى تلك المدرس المهدمة فوق أطفالها عند الطرف الشرقى للبلدة .
كلهم يقولون ، وكلهم لا يفعلون ، لا .. هم يفعلون ما يريدون هم دون النظر إلى كل تلك الدماء المراقة ، ينكمش جسده أكثر وتنكمش روحه حتى تكاد تتلاشى وهو يتذكر أجزاء والده وأخته الصغيرة المتناثرة فى جنبات البيت ، ووالدته التى لم يعرف لها مصيرا ، نجا من قصف مدرسته لأنه كان يعود الطبيب مع أخته الصغيرة لتغيب والده مع والدته فى جنازة شقيقه الأكبر الذى أعدم لانه رفض المشاركة معهم ، ونجا من قصف منزله لأنه كان يبكى عند قبر أخيه بعدما علم بالنبأ بعدها بأيام .
تتزاحم المشاهد  فى رأسه ، يكاد يفقد وعيه وهو يتذكر كل ذلك ، لم يعد  البكاء يخفف عنه ، ولم يعد يعرف إلى أين المستقر ، يتنقل بين الأماكن مستترا بالظلام ، يبحث عن بقايا يأكلها وعن جدار يؤمن له الحماية ريثما يستريح ، لا يعرف إلى أن سينتهى الأمر ، لأنه لا يدرك أصلا كيف بدأ ، كل ما يعرفه أنه سيبقى حتى تنجلى تلك الغمة ، يومها سيبحث عن أمه ، وربما أيضا يجد خاله القاطن فى البلد البعيدة والذى لا زال يذكر حنانه وعطفه عليه ، يقفز فوق أخدود المياه الصغير ، ويتجاوز تلك الأعشاب الشائكة و .....
هاهاهاهاهاها وجدت صبيا آخر ، يبدوا أن الحظ رفيق دربى اليوم يا رفاق .
يسمع ضحكاتهم وهو لا يعى كيف حدث هذا ، إلا أنه يعلم جيدا ، أن كل ما كان يحلم به لم يعد ممكنا ، وأنه يقينا لن يشهد النهاية .
***************
القصة لها مصدر حقيقي وليست كلها وليدة الخيال للأسف 

هناك تعليق واحد:

Gamal Abu El-ezz يقول...

أخى الأزهرى
وحشتنى تدويناتك الجميلة كثيرا
أتمنى عدم هجران المدونة لأوقات طويلة
بالنسبه للبوست
أنا لا أؤمن أن كل البشر لا بد أن يعيشون النعيم فالفقير ابتلى بفقره ليختبر صبره والغنى ابتلى بالغنى ليختبر شكره وبينهما فقط شعرة واحده طرفها من ناحية الفقير الرضى والقناعه ومن ناحية الغنى أن يحمد الله على غناه فلا بد من وجود تلك الصفات فى كل منهم عندما ينظر للأخر فإذا إختل ايا من هذا صار الميزان معوجا
تحياتى أخى الكريم