الأحد، 12 أبريل، 2015

فى رحلة الألم .... والأمل :) 7

كفى ى ى ى ى ى ى
انتفض صارخا من نومه والعرق يغمره ، وفزعت زوجته من هلعه وجذبته إلى حضنها مربتة عليه ، ومدت يدها إلى كوب الماء على الطاولة المجاورة جاعلة إياه يرتشفه كى يهدأ وهى تحاول مساعدته عبر قراءة ما تيسر لها من القرآن وسط قلقها الغامر عليه ، وما إن انتظمت أنفاسه حتى بادرته سائلة فى خفوت : أهو نفس الحلم ؟
هز رأسه أن نعم ، ولم تستطع الكلمات أن تغادر أعماقه المذعورة ، عالما أنه يكذب عليها ، كان يعرف أنها تحبه ، ولذلك اعتاد الكذب عليها منذ زمن بعيد ، بداية من مهام عمله وحتى كوايسه التى لم تنقطع يوما وتزداد مع مرور الوقت حدة ، حكى لها أن ذكريات الحرب تزوره وأن أطياف أصدقاءه وجنوده هى ما يعكر صفوه ، لم يعد يذكر الكثير عن تلك الحرب البعيدة إن كان لنا أن نسميها كذلك أصلا ، فلم يعد هناك أمر مؤكد فى هذا الزمن ، وكثيرا ما تساءل عن جدوى كل ما حدث ما دامت النفوس تصفو والكل يتجاوز ما يحدث والمصالح تجمع الجميع .
ابتعد عن صدرها ببطئ ومد يده يربت على خدها البض مطمئنا ، وطلب منها العودة للنوم فيما سيذهب هو لدورة المياه ثم يجلس ليدخن سيجارة فى هدوء ثم سيعود للنوم مرة أخرى ، تقوده قدماه إلى تلك الأريكة المميزة فى البهو فيلقى جسده عليها منهكا ، ما زالت تلك العينان  تزوران أحلامه وتؤرق عليه كل حياته ،  ما زال صمود ذلك الطفل يثير حنقه وغضبه ، لقد قتل وشرد الكثيرين فى القديم ولم يهتز له جفن ، ولم يكن فى داخله يشعر أن فى الأمر خطأ كى يؤنبه ضميره ، طبقا لقادته كان هؤلاء أعداء للوطن ، والقاعدة أن أعداء الوطن يجب اجتثاثهم وعرق أصولهم وفروعهم كى تتقدم البلاد ولا يكونوا شوكة فى ظهر نهضتها ، إلا تلك المرة البعيدة حين اقتحموا منزلا يأوى أسرتين للقبض على شاب منهم . استسلم الشاب من أول وهلة وكأنه كان يعلم بقدومنا ، أو يتوقعه ، كان هدوءه  مستفزا لى للغاية ، توقعت أن يصرخ مستغيثا أو راجيا أو حتى شاجبا ولاعنا إيانا ، ولكن ذلك الهدوء لم يكن منطقيا على الإطلاق فاقتربت منه وعويت على وجهه بضربة أطاحت بجسده الضئيل إلى ليرتطم بالحائط ويسقط على وجهه ، و .... فقط .
لم يتحرك ثانية ، وعندما اقترب منه أحد الضباط وجد أنه فارق الحياة ، أشرت بيدى فى عظمة آمرا أن يأخذوه إلى المشرحة بعد كتابة المحضر بإلقاء نفسه من الشرفة هربا منا فقاده تهوره إلى حتفه .  ما إن سمع أخاه الأصغر كلمتى حتى انتابته نوبة غضب قوية فهاجمنى مباشرة فعاجله أحد مرافقى برصاصة ألحقته به ، وعندما هاج الأخرون لما حدث كان لابد للقوة من التعامل معهم ، فهكذا يجب يكون التعامل الصحيح مع هؤلاء المخربين .
استدرت لأخرج فلمحته يقف بعيد تحجبه ضخامة أحد الجنود أن يراه أحد ، منكمشا فى ركن قصى ، كان ينقل بصره بين جثث أهله وبينى فى رتابة ، كانت عيناه تحملان اتهاما صامتا بكل ما حدث ، كان يعرف ، ولم يكن بين طيات نظرته أى حزن أو خوف ، كان خاوية تماما من أى تعبير ، تسمرت فى مكانى لا أدرى ماذا أفعل ، شئ غامض ألم بى ،ارتجف قلبى للحظة حتى ظننت أن بداخلى رعب من نظرته التى توقفت عندى تماما وكف حتى عن النظر إلى ذويه ، صرخت محاولا إزالة توترى سائلا عن من يكون هذا ؟ وعنفت أحدهم ليلقيه بعيدا عن هنا حتى يتم رجال المعمل الجنائى عملهم .

ثلاثون عاما مرت على تلك اللحظة ولا زالت نظرة ذلك الطفل توقظه فى رعب لم يجد له مثيلا طوال حياته ، لسنوات طويلة بعدها بحث عنه ، لا يدرى ما الذى كان يريده منه ، بالتأكيد لن يطلب عفوه ، ويقينا لن يأخذه ليربيه فهذا يجدث فى الأفلام الهابطة فقط ، ربما كان يريد أن يتخلص منه لكى يثبت لنفسه أنه أقوى وأنه سيكون دوما المنتصر ، ربما لم ينتبه أحد ممن عرفه إلى ذلك ولكن ذلك  الطفل كان دوما نقطة ضعفه ، وعلى الرغم من كل السلطة التى حازها ، لا يزال يرتجف كلما تذكره ، وما زال غضبه يزداد ، أنهى سيجارته وخرج للشرفة محاولا الترويح عن نفسه ، ولكن الطبيعة تعانده فالمطر الغزير يرده إلى الداخل فيندفع غاضبا ، لترتطم أصابع قدمه بالمقعد فيقفز صارخا ويختل توازنه ويسقط على صادما برأسه الطرف الرخامى للمنضدة الصغيرة ، يحاول الصراخ مناديا فلا يستطيع ، الدم يغرق وجهه منبئا عن إصابة بالغة ، الألم يغزوا جانب صدره الأيسر منبئا عن أزمة قلبية أخرى  ، تنساب من عينيه دموع العجز ، يدرك أنها النهاية .