الأحد، 18 أبريل، 2010

جواهر سلمان 3

جواهر سلمان

وفي المساء حملها معه قاربه ، واتجه نحو المكان الذي وجدها فيه .. وربط قدميها في طرف مرساة .. ووضع المرساة على القارب ، ثم قذف (راماي) في الماء فغابت في الماء لعدة دقائق ، قبل أن تعود للسطح وهي تلقي له بحفنة من الآلئ وهي تقول :

- مال .. أنت ... تريد .

جمع الآلئ ، ووضعها في راحة يده ، وفكر قليلاً ثم قال :

- تعلمين يا فتاة .. إن هذا مال كثير.. يجدر بك ان تصدقيني القول في موضوع الإتاوة الشهرية هذه وإلا فسأنفق هذا المال في شراء سفينة أجوب بها البحار بحثاً عنك ، وحين أجدك سأنال منك .

قالت له :

- نكذب ... نحن .. لا

قال لها :

- إذن فموعدنا عند مغيب هلال ثالث يوم من الشهر العربي .

قالت له :

- تأتي .. أنا .. جواهر .. أحمل ..

ثم اتجهت تلقاء قاربه ورفعت قدميها ، فحل رباطها ، وأطلق سراحها ، فابتعدت قليلاً ثم وقفت ونظرت له لفترة ، ثم شاحت بنظرها وهي تقول مغلبة دموعها :

- قبلي .. حطمت .. أنت .

ضحك سلمان وهو يقول لها :

- هاهاها .. السمكة أحبتني .. من كان يصدق هذا .

ثم ابتعد وهو يقول :

عليَّ بالفرار بالفرار من هذه البلدة . فالأمير لن يتركنى . لابد من الرحيل ، سأعود لكوخي وأحمل ما ينفعني في سفري .

وعاد الصياد لكوخه وحمل متعلقاته ، واتجه خارجاً من بلدته مع خيوط الفجر الأولي .

وحين غاب هلال ثالث يوم من الشهر العربي التالي ، كان الصياد في نفس المكان الذي وجد فيه (راماي) ، ولم تمضي ثواني حتى ظهرت (راماي) فقال بفرح :

- لقد راهنت علي هذا . كنت واثقاً من عودتك ..

لم تنطق (راماي) بكلمة ، وإنما طوحت نحوه بأجمل درر رآها بشري ، فهتف بفرح :

- لقد ربحت مقامرتى . لقد كانت في محلها .

وظل يضحك فرحاً حتى أنه لم يلحظ رحيل (راماي) . ولكنه تمالك فرحته وحمل جواهره وعاد للشاطئ ثم رجل مسرعاً قبل شروق الشمس .

وبدأت حياة الصياد تتغير في البلدة الجديدة التي رحل إليها ... لم يكن أحد فيها يعرفه ، فادعي أنه من سلالة ملكية من بلدة بعيدة وانه يحمل إرث والده . وناداه الناس بالأمير (سلمان) . وبنى (سلمان) قصر فالثاني فالثالث . وامتلأت قصوره بالخدم والحشم ، وأصبحت كلمته مجابة و ذاق طعم السعادة للمرة الأولي . وأصبح الصياد سلمان لا يعاني من الوحدة ، بعد أن أصبح له عشرات الأصدقاء . وغرق في الملذات وهو عالم أن النعيم الذي هو فيه لن ينقطع ، بعد أن تيقن من ان (راماي) سوف تحافظ علي عهدها للأبد حتى ظن ان حياته قد تحولت إلي نعيم مقيم وأن النعيم الذي هو فيه دائم لا محالة .. ولكن هيهات أن يحدث هذا .. فقد غمر الحقد عدد من الناس ، ممن لم يجدوا مكاناً لهم بين أصدقاء سلمان ، وبحثوا في ماضية حتى عثروا على الحقيقة . وسرعان ما طار الخبر إلي أمير بلدة سلمان الأصلية ، الذي كان قد وعده ببيع (راماي) ، مع الوشاية بأنه باعها لآخر أعطاه مقابلها مال وفير ، فاستشاط الأمير واتجه نحو أمير بلدة سلمان الجديد وحكي له ما حدث وادعي بأن المال قد سرقه سلمان وهرب دون أن يعطيه (راماي). وأن الأمر كان خدعة من أجل المال . فأمر الأمير بإحضار (سلمان) وامروه بإخبارهم الحقيقة فأخبرهم بأن أصل المال هو الجواهر التي تلقيها له (راماي) كل شهر. ولكن أحد لم يصدق حكايته، فقال لهم أن الموعد القادم قريب ويمكنهم المجئ معه .

وحين جاء الموعد . اتجه (سلمان) نحو الموقع . ومن بعيد راقبه الحراس . وخيل لسلمان أنه رأى (راماي) ولكنها لم تظهر . ومرت دقائق وساعات حتى طلع النهار ولم تظهر (راماي) فقبض عليه الحراس وأعادوه معه للأمير ، الذي حكم بإعادة المال إلي أمير بلدة سلمان الأصلية . وهنا صرخ سلمان بأنه لا يكذب ، وأن راماي ربما خافت منهم وفرت حين شعرت بوجود غرباء .

ولكن أحداً لم يصدق هذا الكلام . فقد كان أقرب للخدعة لكي يهرب من العقوبة .

وعاد سلمان فقيراً كما كان . وخرج من بلدته الجديدة هائماً علي وجهه ، حتى وصل بلدة أخرى . فجلس يستريح في ظل أحد الحوائط ... وبعد قليل جلس بجواره رجل عجوز . وبدون إنذار سابق قال له الشيخ :

- هل وجدت ما تبحث عنه .

لم يقوى (سلمان) على سؤال الشيخ عما يتحدث ، فأكمل الشيخ :

- أم أقول أنك فقدته للتو .

نزلت دمعة حارة من عين سلمان وبدأ وهو مسلوب الإرادة في سرد قصته على مسامع الشيخ . وبعد أن انتهي قال له الشيخ :

- عزاءك الوحيد أنك تمتعت بالسعادة لشهور قلائل .

قال (سلمان) وهو يغالب دموعه :

- من قال هذا . لم أشعر بالسعادة قط طوال تلك الفترة .. كنت أعطي هذا وأغدق على ذاك حتى يبقوا بجواري .. كنت أحسبهم أصدقائي ولكنهم باعوني حين ضاع المال ..

ثم قال وهو يمسح دموعه :

- أتعرف شيئاً .. كنت سعيداً للغاية حين كنت مع (راماي) . كنا نضحك ونلعب وكانت تسري عني صعوبات الحياة .. كان رزقي وفيراً وكأني كنت أرزق برزقها .

ثم صمت قليلاً قبل أن يتابع :

- أتعلم .. أحسب أنها كانت كذلك ... يالي من غبي . كيف لم ألحظ هذا .. كانت دوماً تتعمد عدم تحديد مكان قومها حتى لا أعيدها . كانت تقول لي كلاماً مبهماً عن البحار والمحيطات .. لا مكان محدد لأبدأ منه أو لأنتهي إليه .. وحين كنت أطالبها بتحديد أكثر ، كانت تقول بلهجتها الساحرة :

- ضجرت .. منى .. أنت .. تريدني .. هنا .. لا .

- يالي من غبي.

نظر له الشيخ وقال :

- أنك تعس أكثر مما تخيلت يا بني . لقد كان حلمك طوال حياتك هو إيجاد السعادة . ولعمري فالناس يجمعون المال طوال حياتهم لكي يشتروا به أحلامهم . أما أنت قد امتلكت حلمك ، ولكنك بعته لتحصل على المال .

ثم نهض مبتعداً وهو يقول :

- كان الله في عونك .

وحين جاء موعد (راماي) في الشهر التالي .. كان (سلمان) في المكان المعتاد ، وسرعان ما ظهرت (راماي) ورفعت زراعيها فوق الماء ، ولوحت بكف يدها اليمني المليء بالجواهر وهي تقول :

- شهر .. ماضي .. غبت .

ثم ألقت بالجواهر نحو قاربه ، ولوحت بقبضة يدها الأخرى المليئة بالجواهر أيضاً وهي تقول :

- شهر .. الآن .. حضرت .

ثم ألقت بالجواهر نحوه ، فقال لها دون أن يهتم بالجواهر على غير عادته :

- لقد كنت هناك في الشهر الماضي .. لماذا لم تظهري .

لم تجب عن سؤاله ، وإنما قالت :

- لك .. وحدك .. كنت ... أنت .. وحدك .. أضعت .

ثم غابت في المياه .. ومكث (سلمان) في مكانه لحظات قبل أن يقول :

- معك حق .

ثم رحل مبتعداً بقاربه . وحيث وصل للشاطئ كان أول شيء فعله ، هو أن قام بتوزيع الجواهر على الفقراء .

لسنوات طويلة تكرر الأمر .. وفي مساء اليوم الرابع من الشهر العربي يمر الصياد سلمان على بيوت الفقراء في البلدات المجاورة لبلدته ، يوزع عليهم الدرر والجواهر التي لم ترها عين من قبل وتساءل الجميع عن سر جواهر سلمان . وإن كان أحداً لم يحاول معرفة الحقيقة ، حتى لا يتسبب ذلك في قطع عادته .

وظلت الحقيقة مطوية في صدر سلمان . حقيقة أن هذه الجواهر هي ثمن سعادته .. التي باعها .. لقاء المال .

الكاتب / هيثم عبد الغفار

هناك 4 تعليقات:

SHAPE YOUR LIFE (ABOALI) يقول...

فعلا كلام جواهر
ماشى يا عم ازهرى
اعطس انت وخلى هيثم عبد الغفار الراجل التقى يكتب ليك الجواهر

ليك يووووووووووم

الملاك الحزين يقول...

تحيه وانحناء للكاتب القدير

جميله اووووووووووووووووووووووووى


وحشتنا انت فين ياعم

الملاك الحزين يقول...

وحشنى احتلالاك

ووجودك معانا

الملاك الحزين يقول...

يارب يطمنا عليك

ونشوفك على خير قريب يارب